راجح السلفيتي
ولد راجح غنيم السلفيتي سنة 1921 في بلدة سلفيت، فلسطين.
والده: أحمد غنيم، ويلقب بالحجاوي. بناته: يسرى؛ ضحى؛ عندليب. ابنه: أحمد.
نشأ راجح السلفيتي في أسرة فلسطينية فقيرة، وعندما بلغ الثامنة من عمره أرسله والده إلى مدرسة "الحرية" عند الشيخ نافع مسمار، الذي كان له الفضل في تحفيظ تلامذته الأغاني الوطنية وتاريخ فلسطين والأخطار المحيطة بها، مما ساهم في تعميق ملكة الشعر وحبه لدى راجح الطفل. وكانت أولى القصائد التي حفظها قصيدة "الثلاثاء الأحمر" التي نظمها الشاعر إبراهيم طوقان في رثاء الشهداء محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير، الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني في السابع عشر من حزيران/ يونيو 1930 بتهمة مشاركتهم في "هبة البراق" (آب/ أغسطس 1929).
في سنة 1933، فقد راجح السلفيتي والده، فاضطر إلى ترك المدرسة، وهو لم يتجاوز الثالث الابتدائي، وأصبح معيل أسرته، فعمل مؤذناً وعاملاً في رصف الشوارع وفي جني المحاصيل الزراعية. ولم تعش والدته أكثر من عام بعد وفاة زوجها، فذاق راجح اليتم مرة أُخرى، وصار يغنّي في أعراسِ بلدتهِ والقرى المحيطة، وذاع صيته حتى أن أهل بلدته كانوا يقولون: "العرس ما بيعمر في سلفيت إذا بكنش راجح فيه".
بعد اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى في سنة 1936، التحق راجح السلفيتي بفصيل عارف عبد الرزاق وحمد زواتا الذي كان يقاتل في منطقة نابلس، لكنه سرعان ما ترك الفصيل احتجاجاً على تصرفات الثوار بحق الأهالي وتحميلهم ما لا يطيقون، إلاّ إنه ما لبث أن التحق بالثورة مرة ثانية عندما شكّل ابن بلدته فايز الزير فصيلاً جديداً، استمر في القتال حتى نهاية الثورة.
في مطلع أربعينيات القرن العشرين، بدأت تظهر ميوله نحو الزجل، وكانت أول طلعة زجلية له عندما أقدم أحد جيرانه على قتل أرنب له كان يعتدي على أرض الجيران، فتألم على الأرنب وكتب قصيدة مطلعها
يا خسارة ويا خسارتنا مصيبة كبيرة مصيبتنا
ترملت أرنبتنا وانحرمنا الشيخ أرنب
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، انتقل راجح السلفيتي إلى قرية سلمة قرب يافا طلباً للرزق، وهناك بدأ يشارك في الحفلات والمهرجانات. وعند نشوب الحرب العربية-الإسرائيلية سنة 1947-1948، التحق بصفوف المقاومين الفلسطينيين، وأصيب، في إحدى المعارك في سلمة، برصاصة استقرت قرب رئته وأصابتها بالتلف، وسببت له أمراضاً رئوية مزمنة أبرزها الربو.
في سنة 1949، عاد راجح إلى سلفيت، وهناك تعرّف إلى الشيوعيين الفلسطينيين، والتحق بصفوف "عصبة التحرر الوطني في فلسطين"، ثم، في سنة 1951، بالحزب الشيوعي الأردني الذي صار يضم أعضاء العصبة الذين بقوا، بعد النكبة، في الضفة الغربية لنهر الأردن.
في سنة 1955، شارك راجح السلفيتي في التظاهرات التي نُظمت ضد "حلف بغداد"، وكان هتّافها، إذ كان يهتف بين جموع المتظاهرين:
نحنا شعب ما بنخاف
من استعمار ورجعية
ما بنوقّع ع الأحلاف
لو ضلت منا بنيّه
بعد الانقلاب الذي أسقط حكومة سليمان النابلسي الوطنية، في نيسان/ أبريل 1957، وصدور الأحكام العرفية وإلقاء القبض على الكثيرين، هرب راجح السلفيتي إلى سورية ومنها إلى العراق، حيث شارك في المظاهرات ضد الحكم الملكي، فألقي القبض عليه وأُبعد إلى لبنان، ومن هناك استطاع، بمساعدة رفاقه في الحزب، السفر إلى تشيكوسلوفاكيا ليعمل ويحتك بالطلاب العرب وتنتشر أشعاره في دول أوروبا.
عاد راجح السلفيتي إلى الضفة الغربية سنة 1965، بعد صدور عفو عام عن الأسرى والملاحقين، إلاّ إن تعرضه للملاحقة من جديد دفعه إلى الهرب إلى سورية التي مكث فيها حتى وقوع حرب حزيران/ يونيو 1967 عندما عاد إلى مسقط رأسه سلفيت.
بعد سنة 1969، أصبح الغناء مصدر رزق راجح السلفيتي الوحيد، فراح يحيي حفلات الأعراس ويشارك في المهرجات الوطنية واحتفالات الجامعات.
بعد اندلاع حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 العربية-الإسرائيلية، ونجاح الجيش المصري في اختراق "خط بارليف" الحصين، كتب قصيدة قال في مطلعها:
بارليف بتخطيطه العصري وتحصيناته الجبارة
تحت أقدام الجندي المصري تحطم مثل الفخارة
في سنة 1974، شنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي حملة اعتقالات واسعة في صفوف الوطنيين والشيوعيين، الذين كانوا قد شكّلوا، في آب/أغسطس 1973، "الجبهة الوطنية الفلسطينية في الأرض المحتلة"، التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، فكانت كلمات راجح السلفيتي، بحسب من رافقوه آنذاك، أقوى من بيانات الجبهة. وخلال تلك الحملة، اعتُقل راجح وزج به في الزنزانة رقم 10 في سجن نابلس المركزي.
مكث راجح السلفيتي في السجن 22 شهراً، كتب خلالها أجمل قصائده، مثل "الزيارة"، التي يصف فيها معاناة الأسرى داخل السجون وخلال زيارات أطفالهم وعائلاتهم لهم، وما يلاقونه من الحرمان ومن استفزازات السجانين، و"رؤيا"، و "بتهون"، و "وصية" إلى ولده أحمد، الذي يقول: "كتب لي والدي قصيدة 'الوصية' وأسماها: لولدي أحمد، وقصيدة 'الملبسة' لشقيقتي الكبرى عندليب، حين حاول يعطيها ملبسة من شبك الزيارة لكنه لم يفلح بسبب أوامر السجان الإسرائيلي". وقد حفظ المعتقلون أشعاره عن ظهر قلب ونقشوها على جدران السجن.
بعد خروجه من السجن، واصل راجح السلفيتي نضاله الوطني، فساهم في إحياء "يوم الأرض" في 30 آذار/مارس 1976 بقصيدة تقول:
مثل السنّة ومثل الفرض واجبنا نقدس تربتنا
حب الأرض وصون العرض هاي مبدأنا وعقيدتنا
حيو الثالوث الحصين الدير وعرابة وسخنين
ترشّح راجح السلفيتي في بلدته سلفيت على قائمة "الجبهة الوطنية الفلسطينية" في انتخابات المجالس البلدية التي جرت في الضفة الغربية المحتلة في نيسان/ أبريل 1976، خلف الشعار الموحد الذي رفعته جميع الكتلِ الوطنية في فلسطين: "لا للإدارةِ المدنيَّةِ، ونعم للوحدةِ الوطنيَّة". وقد فازت تلك الكتلة بالانتخابات في سلفيت وراحت تقود العمل الوطني في مقاومة الاستيطان ومصادرة الاراضي، وتقديم الخدمات الاجتماعية وتقوية العلاقات بين جميع بلديات الضفة، حتى أعلنت البلديات تعليق أعمالها في أيار/ مايو 1982.
كان صوت راجح السلفيتي يصدح في المناسبات الوطنية في الناصرة والطيبة وعكا والقدس، وخصوصاً في جامعة بيرزيت، التي شاركَ عدة مرات في مهرجانها السنوي، وفي مختلف نشاطاتها، وحضرت زجلياته في أروقتها، إذ غنى فيها أكثر من مرة. وعندما أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الجامعة، قال:
سكر على الجامعات وين الديمقراطية
سكر إليها الأبواب فتشردوا هالطلاب
دولة إلها دبابات وأساطيل وطيارات
كيف بتخاف من رسومات على ورقة مهفية؟
عند اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في كانون الأول/ ديسمبر 1987، برز راجح السلفيتي باعتباره صوتها، فكتب الأشعار والأزجال الحماسية والهتافات، كما كان يراقب قدوم دوريات جنود الاحتلال وعند رؤيته سياراتهم قادمة يبدأ بقرع لوح من الزينكو بعصاه. وكتب عن دور المرأة الفلسطينية في الانتفاضة:
اتعلمي سر النضال اتعلمي واصبري على المر لا تتألمي
وقال يحاكي فرقة العاشقين، في تحية للمقاومة ضد الحصار الإسرائيلي لبيروت سنة 1982:
اشهـد يا عالـم علينا وعالـقطـاع اشـهد عالضفة الغربـية
مظاهرات خاضت غمرات الصراع ضد جيوش الصهيونية
ألقى راجح السلفيتي في أوائل سنة 1988 واحدة من أهم القصائد الشعبية التي نظمها "الكفّ اللّي بيكسر المخرز"، والتي انتشرت انتشاراً واسعاً، لبساطتها وقوَة معانيها، وفيها قال:
يا صـوت جـلجل وأهل الهمم ناديها ونفوس سدرت في غي العهر خليها
خبر المذابح دوى في مسمع الأقطار يهز الضـمائر ليوقظـها يـصحـيـها
وفي نهايتها كتب
مـن تـجربتنـا تعـلـمـنـا أمـور كـبـار إن الـتجـارب مـنـائـر نـهتدي بيها
أثبت الكف بوحدة الصف والإصرار مش بس بيقدر يلاطع مخرز الغدار
بكسر المخرز وبكسر عنق باريها
وقال في قصيدة أُخرى:
بيرزيت يا بلدي، سلفيت يا بلدي، اللد الرملة غزة حيفا يافا عكا صفد
جنين طولكرم عنبتا نابلس يا بلدي
البيرة رام الله بيت لحم يا بلدي، الخليل يا بلدي
والقدس العربية أشرف بقعة يا بلدي
بلدي بلدي وبدي أحميها وعلمي الحر يرفرف فيها
يرفرف فيها علمي العالي فوق سهول وفوق جبالي
وأفدي كل رخيص وغالي تاحررها وأحيا بيها
ويرد الشبان خلف صوته: كل ما نزرع زيتونة بنعلي البيت.
في سنة 1989، منحته "اللجنة الأردنية للتراث الشعبي الفلسطيني" جائزة "نوح إبراهيم للتراث الشعبي"، وكرّمه "مهرجان الثقافة الفلسطينية" الذي استضافته القاهرة ما بين 10 و17 كانون الثاني/ يناير 1990، وأطلق الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عليه لقب "صوت الانتفاضة"، كما منحته منظمة التحرير الفلسطينية، في مطلع ذلك العام، "وسام القدس للثقافة".
ظل راجح السلفيتي يعاني جرّاء الرصاصة التي لازمت رئته أربعةَ عقود، فمرض سنة 1990 مرضاً شديداً، توفي على أثره في 27 أيار/ مايو 1990.
خلف راجح السلفيتي وراءه ديوان "زجليات"، صدر عن "دار الأسوار" في عكا، وقدم له الشاعر سميح القاسم، وضم بين دفتيه باقة من نتاجاته، تؤكد تمسكه بهويته الوطنية، والتحامه بشعبه وانتماءه إلى الفئات الشعبية الكادحة، ودعوته إلى مقاومة الاحتلال وللوحدة الوطنية. ورأى فيه الباحث الفلسطيني مصطفى كبها مثالاً "لشاعر شعبي مميّز حمل بالإضافة إلى همومه الوطنية والقومية رسالة إيدولوجية واضحة للعالم، تدعو إلى تحقيق العدل الاجتماعي ورفع الضيم عن الطبقات المسحوقة المعدمة." وقال الأديب الفلسطيني إميل حبيبي فيه خلال الانتفاضة الفلسطينية: "رأيتُهم يحملونَ الحجرَ في يدٍ، وأزجالَ راجح السَّلفيتي في اليدِ الأُخرى". أمّا عيسى قراقع، وزير شؤون الأسرى والمحررين في السلطة الفلسطينية، فقد قال فيه، لدى قيامه على رأس وفد من وزارة الأسرى بزيارة عائلته في سلفيت، في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2018: "إن راجح السلفيتي هو مثال مميّز لشاعر شعبي حمل بالإضافة إلى همومه الوطنية والقومية رسالة فكرية واضحة تدعو لتحقيق العدل الاجتماعي والإنساني".
لم تفلح عائلة راجح السلفيتي وعلى مدار عشرين عاماً في توثيق النتاجات التي أبدعها خلال حياته، الأمر الذي دفع المشاركين في "مهرجان الشعر الشعبي الثاني 'دورة راجح السلفيتي' "، الذي نظمته جامعة القدس المفتوحة، والاتحاد العام للكتاب والأدباء، بالتعاون مع اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، في 22 نيسان/أبريل 2013، إلى تشكيل رابطة تجمع نتاجات الشعراء الشعبيين وتوثقها، وفي مقدمهم راجح السلفيتي.
المصادر:
أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي. "مجموعة راجح السلفيتي 1940-2013".
https://www.palarchive.org/index.php/Detail/collections/94/lang/ar_PS
حسن، شاكر فريد. "حادي الوطن والحرية راجح السلفيتي في ذكراه الثلاثين". "ديوان العرب"، 21/5/2020.
https://www.diwanalarab.com/حادي-الوطن-والحرية-راجح-السلفيتي-في-ذكراه
حمادة، محمد عمر. "أعلام فلسطين"، الجزء الثالث. دمشق: دار قتيبة،1991.
الرفاعي، إيمان. "الزجال الأحمر". "شبابيك"، 19/1/2018.
https://shababeek.org/الزجال-الأحمر
السلفيتي، راجح، "زجليات راجح السلفيتي". عكا: دار الأسوار، 1987.
السلفيتي، صالح، "راجح السلفيتي.. صوت الانتفاضة الأولى ومؤسس زجلها". "وكالة القدس للأنباء"، 3/4/ 2017.
https://alqudsnews.net/post/108156/راجح-السلفيتي-صوت-الانتفاضة-ال
عبد الحفيظ، عيسى. "راجح أبو غنيم السلفيتي". "الحياة الجديدة"، 22/آذار/2016.
https://www.alhaya.ps/ar/Article/19690
وكالة وطن للأنباء. "في ذكرى رحيله.. راجح السلفيتي واكب بصوته مراحل النضال الوطنية منذ الثلاثينات، فغنى للمقاومة وللمرأة وللعامل"، 29/5/2018.
https://www.wattan.net/ar/news/254257.html
لوباني، حسين علي. "معجم أعلام فلسطين في العلوم والفنون والآداب". بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2012.
المتحف الفلسطيني. "راجح السلفيتي… شيخ الزجّالين الفلسطينيين" 31/1/2023.
https://palmuseum.wordpress.com/2023/01/31/1338/
يوسف، زياد وعصام العاروري (إعداد)، "دردشة عن أيام زمان مع الزجّال الشعبي راجح السلفيتي". "الاتحاد"، حيفا، 7/2/1990.
محتوى ذو صلة
عمل شعبي استعمار
يوم الأرض، 30 آذار/ مارس 1976
نقطة تحول في مسيرة الدفاع عن الأراضي الفلسطينية في إسرائيل