إضاءة على –

البرازيل والقضية الفلسطينية

إضاءة على –
البرازيل والقضية الفلسطينية

An olive tree is planted in the garden of the Palestinian Embassy in Brasília

President of the Republic Luiz Inácio Lula da Silva and the Ambassador of the State of Palestine to Brazil, Ibrahim Mohamed Khalil Alzeben (إبراهيم محمد خليل الزبن), plant an olive tree sapling in the garden of the Palestinian Embassy in Brasília.

8 شباط 2024
Source: 
Lula Oficial
Author(s): 
Ricardo Stuckert

سُجل أول تواصل بين البرازيل وفلسطين في أواخر القرن التاسع عشر، عندما وصل مهاجرون فلسطينيون إلى البرازيل من بيت لحم والقرى المجاورة لها، واستقروا كباعة متجولين يبيعون مختلف أنواع السلع، ومن بينها بطاقات الصلاة المسيحية التي كانت تلقى رواجاً حينها. وفي سنة 1876، كان الرئيس البرازيلي دوم بيدرو الثاني أول رئيس دولة في القارة الأميركية يزور فلسطين، ضمن جولة شملت مصر ولبنان وسورية. كانت دوافعه علمية ودينية في آن معاً، فقد كان كاثوليكياً وأديباً يجيد العربية. وقد شجعت زيارته الهجرة العربية إلى البرازيل، لكنها لم تُفضِ إلى إرساء علاقات أوسع، إذ لم يبرز، طوال النصف الأول من القرن العشرين، اهتمام برازيلي يُذكر بفلسطين على المستوى الرسمي.

استمر وصول المهاجرين الفلسطينيين بأعداد قليلة خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، واستقروا على نحو خاص في مدن شمال شرق البلاد مثل ريسيفي وناتال وفورتاليزا. وأعقبت نكبة 1948 موجة هجرة ثانية أكبر قليلاً، كان معظم أفرادها من المسلمين، الذين قدموا من مناطق متعددة، واستقروا في ولايات ريو غراندي دو سول وبارانا وغوياس وماتو غروسو. وعلى الرغم من الصغر النسبي للجالية الفلسطينية مقارنة بالجاليتين اللبنانية والسورية الأكثر عدداً، فإنها شاركت في النشاطات الثقافية وفي إصدار المطبوعات العربية بصورة عامة. ومن بين 48.326 مهاجراً عربياً استقروا في البرازيل بين سنة 1908 وسنة 1941، ربما شكّل الفلسطينيون ما بين 2 و3% فقط. وبحلول مطلع القرن الحادي والعشرين، قدّر "الاتحاد الفلسطيني في البرازيل" أن نحو 200.000 فلسطيني وذريتهم يعيشون في البلاد من أصل ما يقارب 11–12 مليون مهاجر عربي (معظمهم من اللبنانيين والسوريين) وذريتهم.

مسألة لا تشكل أولوية

في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، صوّتت البرازيل لصالح تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، على الرغم من أن راؤول فرنانديز، وزير الخارجية البرازيلي آنذاك، كان قد أبلغ أوزوالدو أرانها، رئيس الوفد البرازيلي ورئيس الدورة الثانية للجمعية العامة، بضرورة "التزام الحياد في نزاع لا مصلحة للبرازيل فيه."

كان أرانها دبلوماسياً صاحب نفوذ، وجاء قرار تأييد تقسيم فلسطين في وقت ازداد تقارب البرازيل مع الولايات المتحدة. وصوّتت أغلبية دول أميركا اللاتينية الممثلة في الجمعية العامة آنذاك لصالح التقسيم؛ وبذلك شكلت أكثر من ثلث الدول التي صوّتت لصالح القرار (13 من أصل 33). وفي كانون الأول/ ديسمبر 1948، صوّتت البرازيل لصالح القرار 194 الذي يمنح اللاجئين الفلسطينيين حق العودة، بينما امتنعت، في أيار/ مايو 1949، عن التصويت على القرار 273 الذي أقرّ قبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة، على الرغم من اعترافها بدولة إسرائيل في كانون الثاني/ يناير من العام نفسه.

مبدأ "البقاء على مسافة واحدة"

طوال خمسينيات القرن العشرين وستينياته، لم تكن للبرازيل علاقات رسمية مع القادة الفلسطينيين أو منظمات المجتمع المدني الفلسطيني. وبعد النكبة زار القائد الوطني الفلسطيني والكاتب أكرم زعيتر البرازيل لحشد الدعم للقضية الفلسطينية؛ وأبدى البرازيليون عموماً تعاطفاً مع هذه القضية، لكن مشاركتهم الفعلية في التضامن مع الفلسطينيين ظلت محدودة. وفي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، تبنّت البرازيل سياسة خارجية أكثر استقلالية وأقل انحيازاً للمصالح الأميركية، وعزّزت مبدأ "البقاء على مسافة واحدة" من الطرفين فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. وقد انعكس ذلك في تزايد تأييد الحقوق الفلسطينية مع الحفاظ على علاقات تجارية ودبلوماسية ثنائية مع إسرائيل. ومنذ ستينيات القرن الماضي، شكّل هذا المبدأ أساس الموقف البرازيلي من الصراع، مع استثناءات نادرة وتفاوتات مرتبطة بسياسات الحكومات القائمة، وتزايد التناقضات مع إسرائيل، جراء تعمّق نظام الفصل العنصري الإسرائيلي وترسيخ واقع الاحتلال فوق كاهل الشعب الفلسطيني.

تزايد الانخراط بعد حربي 1967 و1973

في سبعينيات القرن العشرين، وفي ظل نظام الديكتاتورية العسكرية (1964–1985)، ازداد اعتماد البرازيل كثيراً على نفط الشرق الأوسط، ولا سيما من العراق، وشهدت سياستها الخارجية تحولاً براغماتياً مؤيداً للعرب ("البراغماتية المسؤولة"). وفي سنة 1974، ولدى افتتاح الدورة التاسعة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن وزير الخارجية أزيريدو دا سيلفيرا أن حرب 1967 كانت "حرب غزو"، وبعد ذلك بوقت قصير، في الجلسة العامة المنعقدة في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر، أيَّدت البرازيل "بشكل لا لبس فيه الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في تقرير المصير والسيادة." ومع ذلك، وفي الجلسة العامة نفسها، امتنعت البرازيل عن التصويت على مشروع قرار الجمعية العامة الذي حمل، بعد إقراره، رقم 3236، والذي رسَّخ "الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة" وحق العودة، بدعوى أنه لم يُعمَّم إلاّ في الليلة السابقة على إقراره. وبحسب السفير فرازاو، "لم يُتح هذا لوفدي الوقت الكافي للحصول من الحكومة البرازيلية على التعليمات اللازمة بشأن مسألة بهذه الأهمية." وفي اليوم نفسه، صوّتت البرازيل لصالح القرار 3237 الذي أقرّ صفة المراقب لمنظمة التحرير الفلسطينية في الجمعية العامة.

في سنة 1975، سُمح لمنظمة التحرير الفلسطينية بتعيين ممثل لها في العاصمة برازيليا، وصوّتت البرازيل لصالح القرار 3379 الذي أعلن أن "الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري." ويُقال إن هذه الخطوة جاءت في إطار تأكيد الرئيس إرنستو جيزل (1974–1979) على ترسيخ استقلالية البرازيل تجاه الولايات المتحدة، وعدم الخضوع "للضغوط العامة غير المبررة من الولايات المتحدة، بما في ذلك من سفيرها في البرازيل." وفي سنة 1981، وفي كلمته الافتتاحية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، انتقد وزير الخارجية راميرو ساراييفا غيريرو قرار إسرائيل ضم القدس الشرقية (القانون الأساسي الصادر في تموز/ يوليو 1980). وفي سنة 1982، وجّه الرئيس فيغيريدو (1979–1985) انتقادات شديدة للاجتياح الإسرائيلي للبنان وللمجازر التي ارتُكبت بحق الفلسطينيين في مخيمَي صبرا وشاتيلا.

ومع ذلك، كانت للتحول البراغماتي المؤيد للعرب حدوده؛ ففي سنة 1988، لم تعترف البرازيل بدولة فلسطين التي أعلنها المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، لكنها صوّتت لصالح قرار الجمعية العامة رقم 43/177، الذي أخذ علماً بإعلان قيام دولة فلسطين، مع الإبقاء على صفة المراقب التي حصلت عليها منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1974 في الأمم المتحدة.

نشأة حركة التضامن مع فلسطين

طوال ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، حظرت الديكتاتورية العسكرية التمثيل السياسي الشعبي واضطهدت الحركات الاجتماعية والطلابية بلا هوادة. وبدأت حركة التضامن الفلسطيني المحلية بالظهور في ثمانينيات القرن العشرين، إذ نشأت خلال النضال ضد الديكتاتورية في سنواتها الأخيرة، مدفوعة بسخط الجالية العربية الكبيرة إزاء الغزو الإسرائيلي للبنان ومجازر صبرا وشاتيلا.

في سنة 1982، تأسست الجمعية الثقافية الفلسطينية "سنعود"، وفي السنة التالية، رُفع العلم الفلسطيني في أول تظاهرة حاشدة ضد النظام العسكري نُظمت في مدينة ساو باولو. ونشط فريد صوان (1979–1989)، أحد أوائل ممثلي منظمة التحرير في البرازيل، وصب جهده لحشد الدعم المحلي للحراك الفلسطيني؛ وقد توطدت صداقته مع الرئيس اللاحق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الذي ذاع صيته آنذاك كقائد نقابي في الحركة المناهضة للديكتاتورية.

في عهد الرئيس فرناندو هنريكي كاردوسو (1995–2003)، بدأ التحول في السياسة الخارجية، مع تعزيز الانخراط في منطقة الشرق الأوسط والاهتمام بالقضايا المتعلقة بالمنطقة بصورة عامة. وقويَ هذا التوجه خلال الولايتين الأوليين للرئيس لولا دا سيلفا (2003–2011)، نتيجة مواقفه الشخصية المؤيدة للفلسطينيين وتضامنه مع قضيتهم، واستراتيجية حكومته القائمة على تحقيق الاستقلال الذاتي عبر تنويع العلاقات الثنائية. وفي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بدأت البرازيل بالتصويت ضد المواقف الأميركية إزاء القضايا المتعلقة تحديداً بفلسطين (وليس بغيرها).  

مع ذلك، لم يُمسّ المبدأ التوجيهي التقليدي المتمثل في "البقاء على مسافة واحدة" من طرفي النزاع، ولم يُترك جانباً ما كان يُسمى رسمياً "الصداقة مع كلا الجانبين"، وهو ما كان يعني عملياً أنه منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى العقد الثاني من الألفية الجديدة، لم تكن البرازيل مستعدة للتضحية بعلاقاتها الاقتصادية أو السياسية والدبلوماسية مع إسرائيل من أجل الدفاع الفعلي عن الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني أو حقوقه الإنسانية. وقد عززت فترة أوسلو (1993–2000) السياسة المحلية القائمة على "البقاء على مسافة واحدة" وإعادة صوغ القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية "مفاوضات سلام بين طرفين". ومن الآثار السلبية الأُخرى لـ "عملية أوسلو" أنها أدت ولفترة طويلة إلى تراجع نشاط حركات ومنظمات التضامن الفلسطيني المحلية التي نشأت في أوائل ثمانينيات القرن العشرين.

اتفاقيات التجارة الحرة والعلاقات التجارية

في سنة 2006، وبينما كان تكتل "ميركوسور" (اتفاقية التجارة الحرة لدول أميركا الجنوبية) يتفاوض على أول اتفاقية تجارة حرة مع إسرائيل، شنت إسرائيل حرب تموز/ يوليو على لبنان وقامت بسلسلة من الهجمات على قطاع غزة. وخلال شهر واحد، طالبت أبرز الحركات الاجتماعية والنقابات العمالية البرازيلية ومعظم الأحزاب اليسارية الحكومة بعدم توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين "ميركوسور" وإسرائيل. تم تعليق الاتفاقية، لكن الحركة المناهضة لها لم تتطور إلى حملة طويلة الأمد، وخمدت جذوتها مع انتهاء الحرب.

استؤنفت مفاوضات "ميركوسور" مع إسرائيل بهدوء، وعندما وُقّعت الاتفاقية فعلياً بعد ثمانية عشر شهراً (في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2007)، لم تحظَ إلاّ باهتمام هامشي في الصحافة. وخلال عملية تصديق الاتفاقية في الكونغرس الوطني البرازيلي سنة 2009، تمكن نواب من حزب العمال من إدراج بند يستثني منتجات المستوطنات منها. ومن جهة أُخرى، كانت الممثلية الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي بنت علاقات وثيقة مع حزب العمال والرئيس لولا منذ ثمانينيات القرن الماضي، راضية بالعمل وفق فكرة مفادها أن الدعم المقدم لإسرائيل (الذي ساهم مباشرة في نظام الاحتلال وخنق الاقتصاد الفلسطيني وعزل الشعب الفلسطيني في كانتونات داخل أرضه المحتلة) يمكن التعويض عنه أو موازنته بتقديم الدعم للسلطة الفلسطينية. وقد طلبت السفارة الفلسطينية في البرازيل التي تأسست سنة 1998 قطعة أرض لبناء مقر دائم وحصلت عليها، وبدأ تكتل "ميركوسور" مفاوضات بشأن التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة مع فلسطين، وُقّعت في كانون الأول/ ديسمبر 2011، لكن البرازيل لم تُصدّق الاتفاقية إلاّ في سنة 2025.

في سنة 2010، عندما اعترفت البرازيل بدولة فلسطين، سجّلت الإحصاءات الرسمية الأولى للتجارة الثنائية أن البرازيل صدّرت إلى الأراضي الفلسطينية ما قيمته 15.700.000 دولار أميركي، معظمها من لحوم الأبقار المجمدة، واستوردت من هذه الأراضي ما قيمته 79.500 دولار أميركي، معظمها من التمور المجففة.

وبحلول كانون الأول/ ديسمبر 2025 (أي بعد أقل من عام على تصديق البرازيل اتفاقية التجارة الحرة بين "ميركوسور" وفلسطين الموقعة سنة 2011 وتطبيقها)، بلغت الصادرات البرازيلية 63.900.000 دولار أميركي، معظمها من لحوم الأبقار المجمدة، تليها الدجاج وأنواع أُخرى من اللحوم، والبن، والمخبوزات، والسكر، والأرز، والمستحضرات الصيدلانية. في المقابل، انخفضت الواردات من فلسطين (ربما نتيجة حرب الإبادة الجماعية) من 304.000 دولار أميركي في سنة 2024 إلى 158.200 دولار أميركي في سنة 2025، وشملت أساساً الفواكه المصنعة كالتمر والفراولة المجمدة، والمكسرات، ومضخات الهواء، والمثبتات الحديدية، والمنحوتات الخشبية.

من حكومات حزب العمال إلى بولسونارو اليميني المتطرف

في ظل حكومات حزب العمال برئاسة الرئيسين لولا دا سيلفا (2003–2011) وديلما روسيف (2011–2016)، اتخذت البرازيل عدة إجراءات لدعم فلسطين، مثل تقديم التبرعات لغزة ورفض تعيين داني دايان، زعيم المستوطنين السابق، سفيراً لإسرائيل لدى البرازيل. وكان من أبرز هذه الإجراءات ما قام به الرئيس لولا دا سيلفا سنة 2010، عندما قادت البرازيل تحركاً قامت به دول أميركا اللاتينية للاعتراف بدولة فلسطين على حدود ما قبل 1967، بما في ذلك القدس الشرقية.

استندت إجراءات دعم فلسطين التي اتخذها الرئيسان لولا دا سيلفا وروسيف إلى دعم البرازيل التقليدي لحل الدولتين ومعارضتها بناء المستوطنات والتوسع الاستيطاني، من دون اللجوء إلى المقاطعة أو إلغاء العقود للضغط على إسرائيل فعلياً للالتزام بالحقوق الفلسطينية بموجب القانون الدولي. استمرت العلاقات الاقتصادية الثنائية مع إسرائيل، بل وتعززت في سنة 2011 عندما استحوذت شركة "إلبيت سيستمز" على شركتين برازيليتين في الصناعات الدفاعية (بذلك أضافت "آريس" و"بيريسكوبيو" إلى شركة "أيروإلترونيكا" التي اشترتها سنة 2001)، وأبرمت عقداً مع شركة "إمبراير" لإنتاج منظومة "هيرميس 450" للقوات الجوية البرازيلية.

انتهت ولاية الرئيسة روسيف الثانية في نيسان/ أبريل 2016. وقد مهد عزلها من قبل أغلبية يمينية في الكونغرس الطريق أمام أول إعلان وزاري يشير إلى تحول مؤيد لإسرائيل في السياسة الخارجية البرازيلية: ففي تموز/ يوليو 2016، هددت وزارة الخارجية بمراجعة الموقف البرازيلي السابق لدى اليونسكو (خلال الدورة 199 لمجلسها التنفيذي) المؤيد للحفاظ على المواقع التاريخية والدينية الفلسطينية، لأن القرار "لم يشر إلى الروابط التاريخية لليهود بالقدس" و"وصف إسرائيل بأنها قوة احتلال".

لكن أول تحول أيديولوجي عميق مؤيد للصهيونية في السياسة الخارجية البرازيلية جاء بعد بضع سنوات، في عهد الرئيس جاير بولسونارو (2019–2022). وقد فشلت محاولته المبكرة لنقل السفارة البرازيلية إلى القدس تحت ضغط سريع وفاعل من قطاع لحوم الدجاج الحلال الذي خشي أن تُلحق هذه الخطوة ضرراً بالغاً بصادرات مهمة، ليس فقط إلى فلسطين، بل إلى المنطقة العربية والإسلامية بأكملها. ومع ذلك، اتخذت الحكومة البرازيلية، في عهده، إجراءات أخرى مؤيدة للصهيونية ومعادية للفلسطينيين على نحو صريح، شملت التصويت لصالح إسرائيل في المحافل متعددة الأطراف وتعزيز العلاقات العسكرية الثنائية معها.

الدور السياسي للكنائس الإنجيلية الخمسينية الجديدة

شكل انتخاب جاير بولسونارو سنة 2018 مؤشراً إلى صعود اليمين المتطرف في البرازيل، وإلى توظيف الرموز الصهيونية والأيديولوجيا الصهيونية لخدمة هذا الصعود والتنامي. وقد جاءت إحدى أهم قواعده الانتخابية من قطاعات محددة داخل الكنائس الإنجيلية المسيحية المتنامية. وأظهر التعداد الوطني لسنة 2022 أن 26.9% من سكان البرازيل إنجيليون، ينتمي معظمهم إلى الفرعين "الخمسيني" و"الخمسيني الجديد" للكنيسة الإنجيلية. ولا تكتفيِ أكبر الكنائس الإنجيلية الخمسينية الجديدة وأكثرها نفوذاً بتبنّي "لاهوت الرخاء"، بل تميل أيضاً إلى الصهيونية استناداً إلى معتقداتها المسيانية التقليدية التي تربط قيام إسرائيل (وتجميع يهود العالم فيها) بظهور المسيح المخلِّص. هاتان القاعدتان - 20% من الناخبين الذين يشكلون قاعدة اليمين المتطرف، ونحو 30% من السكان المنتمين إلى الكنائس الإنجيلية والخمسينية الجديدة - ليستا كتلتين متجانستين، لكنهما تتداخلان: فبعض أكبر الكنائس الخمسينية الجديدة تروّج للصهيونية داخل القاعدة السياسية لليمين المتطرف في البرازيل.

وبعبارة أُخرى، يشهد المجتمع البرازيلي اليوم انقساماً واستقطاباً واسعين، مع تداخل جزئي بين قطاعات اليمين المتطرف و"الخمسينية الجديدة" التي ترى في إسرائيل جزءاً من هويتها. وتستغل بعض أقوى الكنائس الإنجيلية في البرازيل إسرائيل والرموز الصهيونية، كما يرفع اليمين المتطرف الأعلام الإسرائيلية في المظاهرات والمسيرات.

ولاية الرئيس لولا الثالثة

شهدت الانتخابات الرئاسية لسنة 2022 فوز لولا على بولسونارو وإن بصعوبة، وبدأت ولايته الثالثة في العام نفسه الذي شهد الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كان لولا من أوائل القادة الذين صرّحوا علناً بأن ما يجري ليس حرباً، بل إبادة جماعية. وقد ترأست البرازيل مجلس الأمن الدولي وسعت فوراً إلى تمرير قرار يدعو إلى "هدنة إنسانية"، لكنه سقط بفعل الفيتو الأميركي.

وبعد إجلاء المواطنين مزدوجي الجنسية من قطاع غزة بسلام، أعلنت البرازيل في كانون الثاني/ يناير 2024 أنها تؤيد القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وبدأت بالتدريج في اتخاذ بعض الإجراءات الملموسة ضد الإبادة الإسرائيلية، وإن لم تصل إلى مستوى مطالب المجتمع المدني المحلي. ففي سنة 2024، علّقت البرازيل شراء 36 مدفع هاوتزر من شركة "إلبيت"، واستدعت سفيرها من تل أبيب. وبعد أقل من عام، ومع رفض البرازيل تعيين سفير إسرائيلي جديد لديها، خُفِّض مستوى العلاقات الثنائية رسمياً. وأخيراً، في سنة 2025، انضمت البرازيل إلى قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وانسحبت من "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة" الذي انضمت إليه بصفة عضو مراقب في عهد الرئيس بولسونارو.

تعبئة المجتمع المدني ضد الإبادة الجماعية

ساهم البث المباشر لمشاهد الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في رفع مستوى الوعي على نحو غير مسبوق لدى مختلف الطبقات الاجتماعية في البرازيل التي باتت اليوم أكثر استعداداً للاعتراف بالظلم التاريخي الواقع على الفلسطينيين. وجرى تبنّي بعض أشكال التضامن الفاعلة مع فلسطين، والتي كان تنفيذها صعباً في السابق، مثل المقاطعة الأكاديمية. فقطعت عدة جامعات برازيلية كبرى - جامعة ولاية كامبيناس (Unicamp)، وجامعة ولاية ساو باولو (Unesp)، وجامعة فلومينينسي الفيدرالية (UFC)، وجامعة سيارا الفيدرالية علاقاتها مع المؤسسات والجامعات الإسرائيلية. كما ألغت جامعة ساو باولو (USP) معرضاً دولياً، كان من المقرر أن تستضيف فيه إسرائيل، تحت ضغط من الأوساط الأكاديمية، وألغت كلية العلوم الإنسانية فيها اتفاقية التعاون الأكاديمي وتبادل الطلبة مع جامعة حيفا. وأُعيد تفعيل لجان التضامن مع فلسطين وتأسست لجان جديدة، كما أُنشئ مركز الدراسات الفلسطينية (CEPal–FFLCH/USP) في جامعة ساو باولو سنة 2024.

وعلى عكس الجاليتين اللبنانية والسورية، تبقى الجالية الفلسطينية صغيرة وأقل انخراطاً في السياسة البرازيلية. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، كانت القضايا الفلسطينية تُناقش تقليدياً عبر منصات عربية متعددة أنشأتها ولايات برلمانية متعاقبة في الكونغرس الوطني. وفي السنوات الأخيرة، شُكّلت منصتان فلسطينيتان بمبادرة من أعضاء يساريين في البرلمان هما:  "الجبهة البرلمانية المختلطة للتضامن مع الشعب الفلسطيني" (Frente Parlamentar Mista de Solidariedade ao Povo Palestino) 2019-2023، و "الجبهة البرلمانية غير الرسمية لحقوق الشعب الفلسطيني" (Frente Parlamentar pelos Direitos do Povo Palestino) 2023-2027، وكان هدفهما تنظيم جلسات ونقاشات برلمانية، وتنسيق التواصل مع مكتب الرئيس، والدفع بمطالب المجتمع المدني، والتصدي لمحاولات متزايدة من بعض النواب لتمرير تشريعات مؤيدة للصهيونية، مثل اعتماد تعريف "التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة" لمعاداة السامية الذي يساوي بين انتقاد إسرائيل وخطاب الكراهية.

ومع ذلك، بقي مطلبان أساسيان للمجتمع المدني والنقابات العمالية بلا استجابة وهما انسحاب البرازيل من اتفاقية التجارة الحرة بين "ميركوسور" وإسرائيل، والتعليق الكامل لمبيعات النفط الخام إلى إسرائيل. فعلى الرغم من أن البرازيل كان في إمكانها الانسحاب من الاتفاقية بسبب عدم الامتثال للمادة 2 التي تستثني منتجات المستوطنات، فإن مسألة مبيعات النفط أكثر تعقيداً. فقد أعلنت شركة النفط البرازيلية "بتروبراس" أن مبيعاتها التي بلغت 2.7 مليون برميل، أي 3.3% من استهلاك إسرائيل للنفط الخام سنة 2024، لم تكن مباشرة لإسرائيل، بل لشركات وسيطة باعت النفط لاحقاً لإسرائيل، ما يعني أن "بتروبراس" لم تكن تتحكم في الوجهة النهائية للنفط.

على المستوى الشعبي، شارك البرازيليون في تنسيق أسطول كسر الحصار وفي فاعليات مباشرة، ونُظمت بشكل منتظم تظاهرات تنديد، وخصوصاً خلال أكثر مراحل حرب الإبادة الجماعية وحشية. كما أقام طلاب في جامعات مختلفة اعتصامات، وإن كانت أصغر من تلك التي شهدتها الجامعات الأميركية. وأدت التعبئة الشعبية ضد الجنود الإسرائيليين الذين يزورون البرازيل لقضاء العطلات إلى تنظيم تحركات في مدن سياحية في ولاية باهيا الساحلية، وكشفت عن كون هؤلاء الجنود مشاركين في الإبادة الجماعية. غير أن الدعاوى الجنائية التي رفعها محامون برازيليون أمام المحاكم المحلية ضد هؤلاء الجنود فشلت حتى الآن، لعدم إقرار المحكمة العليا البرازيلية مبدأ الولاية القضائية العالمية.

الخلاصة

بعد تقسيم فلسطين، سعت الحكومة البرازيلية للنأي بنفسها عن القضية الفلسطينية-الإسرائيلية، وذلك جزئياً للحفاظ على مكانتها كبلد يستقبل المهاجرين ويشجع اندماجهم. وفي ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، لم يكن ازدياد الدعم البرازيلي للحقوق الفلسطينية مجرد استجابة لاعتمادها على النفط، أو لتنامي انخراطها في منطقة الشرق الأوسط، أو لرغبتها في بناء سياسة خارجية أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة فحسب؛ بل تزامن أيضاً مع تنامي حركة "العالم الثالث" وخطابها السياسي في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته. غير أن مبدأ "البقاء على مسافة واحدة" تعارض مع الهدف المعلن بدعم حل الدولتين، لأنه تجاهل طبيعة العراقيل الإسرائيلية أمام حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. فدعم إسرائيل كان يعني دعم القوة المحتلة، وهو ما لا يمكن موازنته بدعم فلسطين. وعلى الرغم من ترحيب حركات التضامن الفلسطينية بالفترات التي شهدت مواقف أكثر تأييداً للفلسطينيين في تاريخ البرازيل، خلال حكومتي لولا دا سيلفا وديلما روسيف، فإنها انتقدت هاتين الحكومتين في أوقات معينة على ما اعتبرته دعماً خطابياً لا يرقى إلى مستوى الفعل.

ومع وصول بولسونارو إلى السلطة، تلاشى مبدأ البقاء على مسافة واحدة من السياسة الخارجية البرازيلية التي ارتمت في أحضان "الصهيونية الإنجيلية" وهرعت إلى دعم إسرائيل. وانقسم المجتمع البرازيلي بين "يسار" يُنظر إليه باعتباره مؤيداً لـحركة "حماس" ولأحزاب سياسية مرتبطة بفلسطين، ويمين متطرف يُنظر إليه باعتباره مؤيداً لإسرائيل. وعندما عاد لولا إلى الحكم سنة 2023، دفعت حرب الإبادة الجماعية المروعة البرازيل إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لدعم فلسطين بالتدريج، وإن لم تصل إلى مستوى مطالب حركات التضامن المدني، ولم تُفضِ إلى عمل منسق بين دول أميركا اللاتينية، كان من الممكن أن يكون أكثر تأثيراً في حماية فلسطين من العدوان الإسرائيلي. وفي عهد الرئيس لولا، امتنعت البرازيل من دعم قرار مجلس الأمن رقم 2803 بشأن الخطة الأميركية لإنهاء الحرب في قطاع غزة، مع ترحيبها بالتراجع الجزئي للعدوان الإسرائيلي على غزة، وانتقدت المفهوم الاستعماري والاستعماري الجديد الكامن وراء "خطة السلام" التي طرحها دونالد ترامب.

وليس من المبالغة القول إن البرازيليين العاديين الذين لم يطّلعوا كثيراً على القضية الفلسطينية يميلون بالفطرة إلى فهم طبيعة الحالة الفلسطينية، ويتعاطفون مع القضية الفلسطينية ما لم يكونوا قد تعرضوا مسبقاً للدعاية الصهيونية ولعملية تلقين أيديولوجية. وتشمل أسباب ذلك الماضي الاستعماري الذي شهدته المنطقتان، والتقاطعات القائمة بين نضالات المشردين والمحرومين من الأرض والسكان الأصليين في البرازيل، والتعاطف مع نضال الفلسطينيين من أجل التحرر وتقرير المصير.

قراءات مختارة: 

Almeida, Paulo R. “A diplomacia da era Lula: balanço e avaliação.” Política Externa 20, no. 3 (2011–2012).

Amorim, Celso. “A Política Externa Brasileira no governo do Presidente Lula (2003–2010): uma visão geral.” Revista Brasileira de Política Internacional, no. 53, 2010 (special edition). Brasília: UnB.

Asfora, João Sales. Palestinos. A saga de seus descendentes. Recife: Patativa, 2002.

Brasil. Ministério do Desenvolvimento, Indústria, Comércio e Serviços. 2026. “Comex Stat: Exportação e Importação Geral. Palestina 2010–2011.”

 https://comexstat.mdic.gov.br/pt/geral/126615

Candeas, Alessandro.. Peregrinação & Guerra. Anotações de um diplomata na Terra Santa. Avaré: Contracorrente, 2025.

Casarões, Guilherme and Tullo Vigevani. “O lugar de Israel e da Palestina na política externa brasileira: antissemitismo, voto majoritário, ou promotor da paz?” História 33, no. 2 (2014): 150–88.

Clemesha, Arlene. “Brazil: The Palestine Solidarity Movement and BDS.” Al Majdal, no. 38 (Summer 2008), pp. 40-43. https://badil.org/phocadownload/Badil_docs/publications/al-majdal-38.pdf

Clemesha, Arlene. “Arab Immigration in Brazil.” In Al Jazeera Center for Studies. Brazil in Focus. Doha: Arab Scientific Publishers, 2010.

Correa do Lago, Pedro. Oswaldo Aranha, uma fotobiografia. Rio de Janeiro: Ed. Capivara, 2017.

Federação Árabe Palestina do Brasil. Dados Estatísticos para o Tamanho da População Palestina no Brasil.

https://fepal.com.br/wp-content/uploads/2024/11/TAMANHO-DA-COMUNIDADE-PALESTINA-ESTATISTICA-POPULACAO-PALESTINA-NO-BRASIL-1.pdf Viewed on 9 March 2026.

Mourad, Emir. “Ato Histórico Em São Paulo Pelo Estado Da Palestina Já.” Palestina: Sanaud, Voltaremos! 25 September 2011.

https://sanaud-voltaremos.blogspot.com/2011/09/ato-historico-em-sao-paulo-pelo-estado.html

República Federativa do Brasil. “DECRETO No 12.432, DE 11 DE ABRIL DE 2025.” https://www.planalto.gov.br/ccivil_03/_ato2023-2026/2025/decreto/D12432.htm

Santos, Norma B. “A política externa brasileira para o Oriente Médio: diplomacia e força.” In III Seminário Brasil–Noruega: perspectivas sobre Paz e Reconciliação. Brasília: Fundação Alexandre Gusmão, 2011.

Traumann, Andrew Patrick. “A diplomacia dos petrodólares: Relações do Brasil com o mundo Árabe (1973–1985).” Masters thesis. UNESP, 2007.

زعيتر، أكرم. "مهمة في قارة".  بيروت: دار الحياة، 1950.

[Zuaiter, Akram. A Mission on a Continent]

https://www.noor-book.com/en/ebook-Muhimmah-f%C4%AB-q%C4%81rrah-pdf

 

 

t