إضاءة على –

مافي مرمرة وحركة القوافل البحرية

إضاءة على –
مافي مرمرة وحركة القوافل البحرية
التضامن العابر للحدود من أجل حرية غزة

عرض جدول الأحداث

Mavi Marmara

22 أيار 2010
Source: 
Flickr/ Free Gaza Movement

فرضت إسرائيل منذ سنة 2007 حصاراً برياً وجوياً وبحرياً على قطاع غزة، تمثل في فرض قيود مشددة على حركة البضائع والأفراد. هذا الحصار الذي وصفته المنظمات الإنسانية على نطاق واسع بأنه شكل من أشكال العقاب الجماعي خلّف آثاراً اجتماعية واقتصادية وإنسانية مدمِّرة على سكان القطاع.

فقد منعت القيود المفروضة بموجب الحصار، في فترات مختلفة، دخول سلع أساسية، بما في ذلك بعض المواد الغذائية ومواد البناء والمعدات الطبية وقطع الغيار اللازمة للبنية التحتية الحيوية الأساسية. وواجه المرضى الذين يحتاجون إلى علاج طبي عاجل، بما في ذلك علاج السرطان غير المتوفر في قطاع غزة، عقبات كبيرة في الحصول على تصاريح لمغادرة القطاع، في حين كانت المستشفيات تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمعدات والوقود، بما في ذلك أجهزة الأشعة السينية وأجهزة التشخيص الضرورية للرعاية الطبية الأساسية.

في مواجهة ذلك، نظَّمت جهات فاعلة في المجتمع المدني الدولي سلسلة من المبادرات البحرية بعد فترة وجيزة من فرض الحصار، سعياً لإيصال المساعدات الإنسانية ولفت انتباه العالم إلى الأوضاع السائدة في قطاع غزة. وإلى جانب رغبتها في إيصال المساعدات، سعت هذه الأساطيل، رمزياً ومادياً، إلى تحدي عزلة القطاع عن العالم الخارجي التي تفرضها إسرائيل. ومثلت هذه المبادرات في نظر كثير من الفلسطينيين في غزة جهوداً دولية تضامنية لمواجهة الحصار مباشرة، وكسر الإغلاق السياسي والجغرافي المفروض على القطاع.

بدأت محاولات الوصول إلى غزة بحراً سنة 2008، حين نجحت سفن قادها نشطاء دوليون في الوصول إلى القطاع. وتوالت البعثات اللاحقة التي تمكَّن بعضها من الرسو في غزة، بينما جرى اعتراض البعض الآخر أو منعه من مواصلة رحلته. وبحلول أواخر سنة 2008 وبداية سنة 2009، كثَّفت القوات البحرية الإسرائيلية إجراءاتها، وهو ما أجبر عدداً من السفن على العودة أدراجها قبل الوصول إلى غزة.

جمعت هذه الأساطيل المبكرة بين الأهداف الإنسانية، من جهة، والمناصرة السياسية، من جهة ثانية، ساعية لإيصال المساعدات وتحدي شرعية الحصار وقانونيته في آن معاً. وبحلول سنة 2010، حشد المنظمون قافلة أكبر بكثير تضم عدة سفن ومئات المشاركين وآلاف الأطنان من الإمدادات الإنسانية.

حادثة مافي مرمرة، أيار/ مايو 2010

في 30 أيار/ مايو 2010، أبحر أسطول مؤلف من ست سفن يحمل أكثر من 600 ناشط وصحافي وبرلماني وعامل إغاثة من أكثر من أربعين دولة باتجاه قطاع غزة. وتقدمت القافلة السفينة التركية "مافي مرمرة". وفي الأيام التي سبقت وصول الأسطول، أعلن مسؤولون إسرائيليون أنه لن يُسمح للسفن بالوصول إلى غزة. وفي الساعات الأولى من صباح 31 أيار، اعترضت القوات البحرية الإسرائيلية الأسطول في المياه الدولية في شرق البحر الأبيض المتوسط، واقتحمت قوات كوماندوس السفن من مروحيات أو من زوارق سريعة.

وعلى متن "مافي مرمرة"، استخدمت القوات الإسرائيلية القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والذخيرة الحية، وهو ما أدى إلى مقتل عشرة ناشطين وإصابة عشرات آخرين. وتم الاستيلاء على السفن وسحبها إلى ميناء أشدود الإسرائيلي حيث احتُجز الركاب واستُجوبوا قبل ترحيلهم ومصادرة ممتلكاتهم الشخصية، بما فيها الكاميرات والتسجيلات وغيرها من المواد التي توثق الهجوم الإسرائيلي.

زعمت السلطات الإسرائيلية في البداية أن قواتها واجهت مقاومة مسلحة ومنظمة. لكن هذه المزاعم قوبلت باعتراض واسع، وثبت لاحقاً عدم صحتها. ونفى الركاب والصحافيون على متن السفن وجود أسلحة نارية في حوزتهم، مشيرين إلى أن السفن خضعت للتفتيش قبل الإبحار. وتشير الروايات المتاحة إلى أن المقاومة، حيث ظهرت، حصلت بعد عملية الصعود العنيفة إلى السفينة.

كما تحول الحادث إلى معركة كبرى حول رواية ما حدث، وساحة صراع على سرده وتمثيله في الإعلام. فقد سارعت السلطات الإسرائيلية إلى نشر لقطات معدّلة وروايات رسمية تصوّر الهجوم على أنه عملية دفاع عن النفس، بينما بقي الركاب والصحافيون رهن الاحتجاز وغير قادرين إلى حد كبير على التواصل وإسماع أصواتهم. وفي الأيام التالية، انتشرت شهادات وصور ومقاطع فيديو مهرّبة من السفن على نطاق واسع عبر الإنترنت، مشكّكة في الروايات الإسرائيلية الرسمية، ومحوّلة الهجوم إلى مواجهة كبرى بين إسرائيل وفلسطين جراء كونها عملية عسكرية ومعركة إعلامية خارقة للحدود في وقت واحد.

ردات الفعل الفورية والتداعيات الدبلوماسية

استدعى الهجوم الإسرائيلي على السفن إدانة دولية واسعة. فقد أدانته تركيا التي كان معظم الضحايا من مواطنيها وسحبت سفيرها من إسرائيل وعلّقت التعاون العسكري معها. كما طالبت باعتذار رسمي وتعويضات لأسر الضحايا ورفع الحصار المفروض على القطاع. وبعد ذلك، باشرت تركيا إجراءات جنائية ضد مسؤولين إسرائيليين كبار، وأصدرت مذكرات توقيف وأجرت محاكمات غيابية. لكن هذه الإجراءات عُلّقت لاحقاً عقب اتفاق تطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل سنة 2016.

شكّل الحادث نقطة تحوّل رئيسية في العلاقات التركية الإسرائيلية. فبعد أن كانت العلاقات بين البلدين تتسم بتعاون عسكري واستراتيجي وثيق، تدهورت بشكل حاد عقب الهجوم وظلت متوترة لسنوات. وعلى الرغم من عودة العلاقات الدبلوماسية لاحقاً إلى سابق عهدها، فإن "مافي مرمرة" ظلت حاضرة في الخطاب العام والسياسي في تركيا، وظلت مصدراً متكرراً للتوتر بين البلدين.

ودعت دول أُخرى ومنظمات دولية إلى إجراء تحقيقات مستقلة في الحادث. ونُظّمت تظاهرات في العديد من المدن في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، وصار الأسطول محركاً للاهتمام الدولي بشأن الحصار المفروض على غزة.

وفي سنة 2013، قدمت إسرائيل اعتذاراً رسمياً لتركيا في إطار عملية توسطت فيها الولايات المتحدة، وأفضت في نهاية المطاف إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية سنة 2016. وبموجب الاتفاق، قدمت إسرائيل تعويضات لأسر الضحايا، بينما أسقطت تركيا الدعاوى القضائية ضد المسؤولين الإسرائيليين.

التطورات القانونية

بحثت عدة تحقيقات في مشروعية الهجوم والحصار نفسه. وخلصت لجنة توركل الإسرائيلية إلى أن الحصار واعتراض الأسطول كانا قانونيين بموجب القانون الدولي، مع إقرارها بوجود قصور عملياتي في تنفيذ الهجوم. وفي المقابل، خلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان إلى أن الحصار يشكل عقاباً جماعياً، وأن استخدام القوة في أثناء الصعود إلى "مافي مرمرة" كان غير قانوني وغير متناسب. واتخذت لجنة التحقيق التابعة للأمين العام للأمم المتحدة التي أصدرت ما عُرف بتقرير بالمر، موقفاً وسطاً؛ إذ اعتبرت الحصار البحري قانونياً، لكنها انتقدت تنفيذ الهجوم ووصفت القوة المستخدمة بأنها مفرطة وغير مبررة.

ورُفعت دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية بمبادرة من اتحاد جزر القمر التي كانت "مافي مرمرة" ترفع علمها. وعلى الرغم من اعتراف المدعي العام للمحكمة باحتمال ارتكاب جرائم حرب، فإنه رفض في نهاية المطاف فتح تحقيق كامل، بحجة أن القضية لا تستوفي معايير الخطورة المطلوبة. وقد خضع هذا القرار للطعن والمراجعة عدة مرات، لكن لم يُفض إلى فتح تحقيق كامل.

ولفتت إجراءات المحكمة الجنائية الدولية الانتباه إلى نقاشات أوسع بشأن التفاوت في تطبيق القانون الدولي ومحدودية آليات المساءلة الدولية في القضايا المتعلقة بفلسطين. وعلى الرغم من الإدانة الواسعة والتحقيقات المتعددة، لم تُتخذ أي إجراءات محاسبة مُلزِمة عقب الهجوم.

انعكاسات الهجوم على حصار غزة

في أعقاب الهجوم، أعلنت إسرائيل تخفيفاً جزئياً للقيود المفروضة على دخول البضائع إلى قطاع غزة، ما سمح بدخول مجموعة أوسع من المواد ذات الاستخدام المدني إلى القطاع. ومع ذلك، ظلّت البنية الأساسية للحصار، بما في ذلك القيود المفروضة على الحركة ومواد إعادة الإعمار والوصول البحري، قائمة.

ولم يُنظر إلى هذا التخفيف على نطاق واسع بصفته تحولاً جذرياً في سياسة الحصار، بل باعتباره إعادة ضبط له تحت ضغط دولي متزايد. واستمر فرض الحصار البحري، بصورة خاصة، إذ جرى اعتراض محاولات الأساطيل اللاحقة قبل وصولها إلى غزة.

الأساطيل اللاحقة، 2011–حتى الوقت الحالي

بعد "مافي مرمرة"، نُظّمت أساطيل إضافية في سنوات 2011 و2012 و2015 وفي سنوات لاحقة. وواجه العديد منها عقبات كبيرة، بما في ذلك الضغوط الدبلوماسية على الدول المشاركة، والقيود التي فرضتها سلطات الموانئ، واعتراض القوات البحرية الإسرائيلية لها مباشرة. واتّبعت مبادرات الأساطيل الأحدث التي شارك فيها ناشطون دوليون نمطاً مشابهاً. ففي الأسطول الذي توجه إلى غزة في ربيع سنة 2026، احتُجز المشاركون ورُحّلوا بعد اعتراضهم، وأفاد عدد منهم بتعرضهم لإساءة المعاملة والاغتصاب في أثناء الاحتجاز.

وكان لحادثة "مافي مرمرة" تداعيات طويلة الأمد. فهي أولاً، جعلت الحصارَ قضية دولية، لا محلية أو إقليمية فقط، وجذبت اهتماماً عالمياً مستمراً بأبعاده الإنسانية والقانونية. وثانياً، أبرزت قصور القانون الدولي وعدم قدرته على تقييد تحركات الدول؛ فعلى الرغم من الإدانة الواسعة والتحقيقات المتعددة، لم تُفعّل أي آليات مُلزِمة للمساءلة.

ثالثاً، أكدت الحادثة الأهمية المتزايدة للإعلام والسرد الإعلامي في تشكيل فهم الجمهور للعنف السياسي. وأدت الروايات المتضاربة للهجوم، بما في ذلك اللقطات الرسمية الإسرائيلية والمواد التي أنتجها الناشطون والصحافيون، دوراً محورياً في تشكيل ردات الفعل والاستجابات الدولية.

وأخيراً، أعاد الأسطول تعريف الفضاء البحري بصفته ساحة للصراع السياسي. فقد أظهر الاعتراض العنيف امتداد سلطة الدولة إلى المياه الدولية، بينما مثّل الأسطول نفسه جهداً لتحدي الحصار من خلال عمل مدني عابر للحدود.

الخلاصة

ما زالت حادثة "مافي مرمرة" تُشكّل حلقة مفصلية في تاريخ الحصار المفروض على قطاع غزة وفي الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي الأوسع. إنها تُجسّد دينامية تُستخدم فيها القوة ليس فقط للحفاظ على الحصار، بل أيضا لمواجهة محاولات تحدّيه. فالآليات التي لجأت إليها إسرائيل لفرض القيود على القطاع هي نفسها التي طُبّقت أيضاً لاعتراض قافلة مدنية في المياه الدولية.

بعد أكثر من عقد، ما زالت الأوضاع التي أدت إلى تنظيم مبادرة الأسطول على حالها. فقطاع غزة ما زال خاضعاً للحصار ويُمنع الوصول إليه عن طريق البحر، بينما تؤكد مبادرات الأساطيل المتكررة استمرار الجهود العابرة للحدود لتحدي عزلة القطاع. وكما أظهرت الأساطيل اللاحقة، يستمر النشاط البحري في اختبار حدود الحصار، بينما اعتمدت الردود الإسرائيلية باستمرار على الاعتراض والاحتجاز والترحيل. وبهذا المعنى، لم يكن الهجوم على "مافي مرمرة" حدثاً معزولاً، بل جزءاً من صراع مستمر وموضع تشابك عملي تُختبر فيه حدود السيادة ووصول المساعدات الإنسانية والمقاومة في البحر.

قراءات مختارة: 

قطان، فكتور. "المحكمة الجنائية الدولية وقضية مافي مرمرة (تلخيص ميرا خياط)". بيرزيت: معهد الحقوق، جامعة بيرزيت، 2019.

مجلس حقوق الإنسان، الأمم المتحدة. "تقرير البعثة الدولية لتقصي الحقائق للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي، بما في ذلك القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، الناشئة عن الهجمات الإسرائيلية على قافلة سفن المساعدة الإنسانية." 27 أيلول/ سبتمبر 2010.

هلال، إبراهيم (تقديم). "أسطول الحرية وقائع اعتداء مبرمج: شهادات طاقم ’الجزيرة’ محمد فال، وسيمة بن صالح، عثمان البتيري، علي صبري دنون، جمال الشيال." الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2011.

هيئة الإغاثة الإنسانية. "مافي مرمرة - أسطول الحرية لغزة". إسطنبول: هيئة الإغاثة الإنسانية، 2011.

Arraf, Huwaida. We Will Continue to Sail”: Reflections from an Organizer in the Freedom Flotilla Coalition”. Journal of Palestine Studies 55 no.1 (2026).

Bayoumi, Mustafa, ed.  Midnight on the Mavi Marmara: The Attack on the Gaza Freedom Flotilla and How It Changed the Course of the Israel/Palestine Conflict. Chicago: Haymarket Books, 2010.

Elshayyal, Jamal. “A Decade Has Passed, but the Mavi Marmara Killings I Saw Still Shape Me.” AlJazeera. 30 May 2020.

International Criminal Court. Situation on Registered Vessels of Comoros, Greece and Cambodia. 6 November 2014.  

Kattan, Victor. “The ICC and the Saga of the Mavi Marmara.” The Palestine Yearbook of International Law. vol.  XVIII, 2015.  The Hague: Kluwer Law International in Cooperation with Institute of Law, Birzeit University.

Murray, Daragh. “The UN Palmer Inquiry and Israel's Attack on the Mavi Marmara.” Jadaliyya. 7 September 2011.

Public Commission to Examine the Maritime Incident of 31 May 2010 (Turkel Commission). The Public Commission to Examine the Maritime Incident of 31 May 2010: Part One. Jerusalem, January 2011.