الوفد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة
مذكرة [ثالثة] إلى وزير الخارجية الأميركي، جيمس بيكر
القدس الشرقية، 20 نيسان/ أبريل 1991
بعد أن قمنا بمراجعة مضمون ونتائج اجتماعاتنا السابقة معكم بالإضافة المراجعة محادثات وجهود المتابعة لتلك الاجتماعات، فاتنا نود ان نبرز امامكم المسائل التالية:
في الوقت الذي ابدى فيه الفلسطينيون التزاما أصيلا بالسلام من خلال الجهود المتواصلة لمنظمة التحرير الفلسطينية للحفاظ على حوار ايجابي وقنوات اتصال مع الولايات المتحدة، فإننا مقابل ذلك ما زلنا نشهد موقفا اسرائيليا متعنتا وهداها على مستويين، إذ تصر اسرائيل أولا على توسيع وتكثيف نشاطها الاستيطاني ومصادرة الأراضي الفلسطينية في نفس الوقت الذي تواصل فيه سياساتها الممعنة في القسوة والقمع الوحشي ضد الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال. ومن ناحية ثانية فان اسرائيل تفرض على عملية السلام شروطا وقيوداً لا يمكن القبول بها، وهي بالتالي تملي اولوياتها واعتباراتها الخاصة كشروط مسبقة لاشتراكها في هذه العملية. إن كلا هذين الموقفين كفيلان بأن يؤديا إلى استحالة المشاركة الفلسطينية، عدا عن انهما يعملان على نسف الموقف والجهود الأمريكية على وجه الخصوص من خلال اضفاء صفة التواطؤ عليها أو وصمها بعدم الفاعلية على احسن الوجوه. وما لم يتم العمل بتصميم على كبح هذه السياسات والاجراءات الاسرائيلية ووقفها سيظل المناخ مسموما بروح العداوة والتشكك كما أن ذلك سيؤدي الى التداعي الكامل لأي ثقة بحيادية وعدالة عملية السلام، عدا عن انه سيشكل خطرا حقيقيا على إمكانيات تحقيق سلام اصيل.
ويبرز بشكل خاص في هذا السياق التنكيل الذي يتعرض له الفلسطينيون في الكويت. فهذه قضية على جانب كبير من الالحاح والمسؤولية وتتطلب حلا فوريا. اننا نحث الادارة الأمريكية على التدخل بقوة وبفاعلية لوقف عمليات الاعتقال والتعذيب والقتل والطرد التي يتعرض لها افراد الجالية الفلسطينية وجاليات أخرى في الكويت. إن المصداقية أا السياسية والاخلاقية للولايات المتحدة على المحك، ولا سيما على ضوء دورها الفاعل وتواجدها في الكويت بعد حرب الخليج. فلا بد من تبني وتطبيق موقف موحد وصارم من انتهاكات حقوق الانسان اينما كانت هذه الانتهاكات. وتزداد معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال من خلال معاناة الفلسطينيين في الكويت. إن حقوق الانسان هي قضية عالمية واجراءات بناء الثقة لا تعترف بالحدود، ولا بد لعملية السلام من أن تقوم على معايير واحدة من العدالة وأن تتم في اطار من الشرعية والشمولية وبعد النظر.
وفيما يتعلق بمسألة التمثيل الفلسطيني فإننا نتمسك بحقنا في اختيار قيادتنا الشرعية وانتداب محاورين ذوي مصداقية. ونؤكد مرة أخرى ولاءنا لمنظمة التحرير الفلسطينية - قيادتنا الشرعية الوحيدة. كما نؤكد قناعتنا أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة الوحيدة المخولة بصلاحية تمثيل الشعب الفلسطيني وقيادته وتوقيع أي اتفاقيات نيابة عنه في كافة اماكن تواجده. إن أي سلام دائم وشامل وعادل لا بد وان يستند على الاقرار بهذه الحقيقة.
ان مضمون عملية السلام يجب أن يعنى بتطبيق قرارات الامم المتحدة والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني دون الانجرار الى مسائل تتعلق بالتفسيرات الذاتية المنحازة، أو أن تصبح خاضعة للأولويات الاسرائيلية وممارساتها التي تستهدف فرض واقع السيطرة والهيمنة.
اما آلية المسيرة السلمية فتبقى المؤتمر الدولي برعاية الامم المتحدة، كما ويبقى التناول الشامل والمتكامل أمرا أساسيا لتطبيق حقوق ومصالح جميع الاطراف المعنية، وإن المشاركة الأوروبية الكاملة والمتواصلة خلال عملية السلام برمتها هي مطلب جوهري لضمان نجاحها ومن اجل ارساء وتعزيز دعائم التعاون والتطور في المنطقة.
ومن البداية يجب تناول ومعالجة التأكيدات والضمانات لمنع اسرائيل من التلاعب بمتطلبات عملية السلام، ومن المضي في اجراءاتها العقابية ضد الفلسطينيين، ومن انتهاك اية اتفاقيات مرحلية ونسف عملية السلام بأي شكل من الاشكال.
ويجب تبني مرجعية قانونية لعملية السلام بكاملها وبشكل واضح وصريح، وبحيث تكون مستندة إلى الشرعية الدولية وملزمة لكل الأطراف المشاركة. كما لا بد وأن تتوفر للجانب الفلسطيني أمكانية اللجوء الى مرجعية قانونية ثابتة، خاصة في ظل الاختلال السائد في ميزان القوى. وبالإضافة إلى ذلك فان عملية المفاوضات بأكملها، ومرحلة تطبيق الاتفاقيات يجب أن تخضع جميعها لذلك الاطار القانوني.
ان اهداف عملية السلام تتطلب وضوحا لا لبس فيه ولا غموض. فصيغة "الأرض مقابل السلام" يجب أن تعني انتهاء الاحتلال الاسرائيلي اللاشرعي لجميع الأراضي التي احتلت عام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين المستقبل. فالانسحاب الاسرائيلي وممارسة السيادة الفلسطينية على الاراضي الفلسطينية المحررة يشكلان عنصرين اساسيين لأي عملية سلام حقيقية كما ان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحقه في العودة، وفي الاستقلال، والسيطرة على أرضه وعلى مصادر ثروته هي من اساسيات ممارسة السيادة.
ان فهمنا لاجتماعاتنا هذه معكم يقوم على اعتبارها خطوات استكشافية تستهدف اطلاق عملية سلام اصيلة وفعالة بالاتجاه الصحيح وبمشاركة ممثلين حقيقيين. ولا يجوز إساءة تفسير هذه الاجتماعات على انها مفاوضات أو موافقة ضمنية. وللأسف الشديد فإن استمرار الظروف المؤلمة والظالمة تحت الاحتلال، ومعاناة الفلسطينيين في الكويت من شأنها أن تقوض امكانية القيام بأي عملية سلام حقيقية، وأن تحطم أي ثقة بنجاحها طالما يسمح لهذه الأوضاع غير العادلة بالاستمرار.
المصدر: جريدة "الاتحاد" (حيفا)، 21 نيسان/ أبريل 1991.