السلطان عبد المجيد
خط شريف كلخانة
إسطنبول، 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 1839 (26 شعبان 1255)
لقد علم الجميع أنه لما كانت حصلت الرعاية التامة للأحكام الجليلة القرآنية والقوانين الشرعية منذ بداية ظهور دولتنا العلية وصلت قوة واستحكامات سلطنتنا السنية وجميع تبعتها إلى أعلى مرتبة من الرفاه والمعمورية لكن بحسب ما وقع منذ مئة وخمسين سنة من عدم الانقياد إلى الشرع الشريف والامتثال إلى القانون المنيف بداعي الغوائل المتعاقبة والأسباب المتنوعة قد تبدلت تلك القوة الأولى والعمار بما هو عكس ذلك من الضعف والافتقار ولما كان من الامور الواضحة عدم إمكان ثبات الممالك التي لا تكون إدارتها تحت قوانين شرعية كانت افكارنا الملوكانية الخيرية مختصرة منذ جلوسنا الهمايوني في مجرد إعمار الممالك والانحاء وترفيه الاهالي والفقراء ونظراً لموقع ممالك دولتنا العلية الجغرافي وخصب أراضيها وقابلية واستعداد أهاليها لا بد مع توفيق الباري تعالى أن يحصل المطلوب بظرف خمس او عشر سنين متى حصل التشبث بالوسائل اللازمة بعد الاعتماد على معونة الله و استمداد عنايته الإلهية والتوسل بجناب صاحب الرسالة والاستناد على روحانيته النبوية ولذلك نرى من اللازم المهم لأجل حسن ادارة ممالكنا المحروسة وضع بعض قوانين جديدة تتعلق موادها الاساسية بأمنية النفوس والمحافظة على الأموال والعرض والناموس وكيفية تعيين التكاليف وجمع العساكر المقتضية ومدة استخدامها. ذلك لأن لا شيء في الدنيا أعز على الإنسان من النفس والعرض والناموس فإذا رآها في التهلكة ولم يمل عند ذلك إلى الخيانة بحسب ما في خلقته الذاتية وجبلته الفطرية لا بد له أن يتشبث ببعض الصور لأجل المحافظة على نفسه وناموسه ومن المسلم أن هذا الامر يكون مضراً بالدولة والمملكة كما يسلم أن الانسان متى كان مستأمنا على نفسه وناموسه لا بد له من ان لا ينفصل عن الصدق والاستقامة وتكون اشغاله واعماله عبارة عن حسن الخدمة لدولته وملته لكن عند ما تفقد الأمنية على المال لا يعود يلتفت لا إلى الدولة ولا إلى الملة ولا ينظر إلى إعمار الملك بل يكون دائماً غير خال من بلبلة الفكر والاضطراب وبعكس ذلك اذا كان بحالة الامنية الكاملة من جهة أمواله وأملاكه فإنه يكون مهتماً بأشغاله وتوسيع دائرة معاشه وتتزايد غيرته يوماً فيوماً على دولته وملته ومحبته لوطنه ولا ريب أنه يجتهد بحسن السلوك الموافق لذلك كما أن مادة تعيين التكاليف تستلزمها كل دولة بسبب الاحتياج إلى العساكر وغيرها من المصاريف المقتضية لأجل المحافظة على بلادها وبما ان هذا الامر لا يدرك إلا بالأموال ولا يدرك المال إلا من عطاء الأهالي كان التبصر في صورة حسنة له من أهم الأمور ومع أن أهالي ممالكنا المحروسة قد تخلصت قبل الآن ولله الحمد والمنة من بلية اليد الواحدة التي كانت تظن فيما سلف ايراداً لم تزل أصول الالتزامات التي هي من آلات الخراب ولم يجن منها ثمر نافع في وقت من الأوقات جارية حتى اليوم وكأنما هي عبارة عن تسليم مصالح إحدى البلاد السياسية وأمورها المالية لإدارة احد الناس وربما إلى مخالب جبره وتغلبه فإنه إذا لم يكن في حد ذاته صالحاً ينظر لمحين في ما هو لمنفعته الخصوصية وتكون جميع حركاته وسكناته مبنية على الغدر والظلم ولذلك يلزم بعد الآن أن يتعين على كل فرد من أهالي البلاد ويركو مناسب بالنسبة إلى أملاكه ومقدرته كيلا يؤخذ من احد شيء زائد عن مقدرته وكذلك يجب تحديد مصاريف دولتنا العلية العسكرية وغيرها براً وبحراً وتعيينها بقوانينها المقتضية وعلى ذلك يصير اجراؤها وهكذا مادة العساكر ايضاً لأنها من الامور المهمة كما تحرر ومع أن إعطاء العساكر لأجل محافظة الوطن هو من فرائض ذمة الأهالي لم يزل على ما هو جار لحد الآن غير منظور فيه إلى عدد النفوس الموجودة في كل بلدة بل يطلب من بعضها ما هو زائد عن درجة احتماله ومن البعض الآخر ما هو أنقص وكما أن هذا الأمر يوجب عدم الترتيب والخلل في منافع مواد الزراعة والتجارة كذلك استخدام الذين يحضرون إلى العسكرية إلى نهاية عمرهم يوجب الملل وقطع النسل فيجب وضع بعض أصول حسنة لأجل ما يطلب عند اللزوم من كل بلدة من الأنفار للعسكرية وتأسيسه بطريق المناوبة أيضاً فتكون مدة الاستخدام أربع او خمس سنين والحاصل اذا لم تتحصل هذه القوانين النظامية لا يمكن تحصيل القوة والعمار والراحة لأن أساسها جميعاً هو عبارة عن هذه المواد المشروحة كذلك يلزم أن تنظر دعاوي أصحاب الجرائم بعد الآن علناً بوجه التدقيق بمقتضى القوانين الشرعية وقبل أن يصدر الحكم لا يجوز إعدام أحد أصلاً لا خفياً ولا جلياً ولا بطريق التسميم وأن لا يحصل تسلط من طرف أحد على عرض وناموس شخص آخر بل كل واحد يكون مالكاً أمواله وأملاكه ومتصرفاً بهما بكمال حريته وليس لأحد ان يتداخل معه بذلك وإذا بالفرض وقع أحد بتهمة أو قباحة وكان ورثاؤه أبريا الذمة من تلك التهمة والقباحة لا يحرمون من حقوق إرثهم بواسطة ضبط أمواله ولكي تكون أهل الاسلام وباقي الملل الذين هم من تبعة سلطنتنا السنية نائلين مساعداتنا هذه الشاهانية بدون استثناء أعطيت من طرفنا الشاهاني الأمنية الكاملة بمقتضى الحكم الشرعي لجميع أهالي ممالكنا المحروسة على نفوسهم وأعراضهم وناموسهم وبما أن باقي القضايا سوف يعطى لها قرار باتفاق الآراء فيلزم تكثير أعضاء مجلس الاحكام العدلية بقدر اللزوم وأن يجتمع أيضاً هناك وكلاء ورجال دولتنا العلية في بعض أيام يصير تعيينها ويتكلموا جميعاً بحرية غير متأخرين عن إبداء آرائهم ومطالعاتهم ويتذاكروا من جهة القوانين المقتضية فيما يخص هذه الأمنية على الأنفس والأموال وتعيين الويركو ويتكالموا عن قضية التنظيمات العسكرية أيضاً في دار شورى ألباب السر عسكري وكلما تقرر قانون يعرض لطرفنا الهمايوني لأجل المصادقة عليه وتوشيحه بخطنا الهمايوني ليكون دستوراً للعمل إلى ما شاء الله تعالى وبما أن هذه القوانين الشرعية سيصير وضعها لإحياء الدين والدولة والملك والملة يعطى العهد والميثاق من جانبنا الهمايوني بعدم حركة تخالفها والقسم بالله على ذلك أيضاً بحضور جميع العلماء والوكلاء في حجرة الخرقة الشريفة وتحلف العلماء والوكلاء ويتنظم قانون جزاء مخصوص لإجراء التاديبات اللائقة للذين يفعلون حركة تخالف القوانين الشرعية من العلماء والوزراء أو غيرهم أيا كان بحسب القباحات التي تثبت عليهم غير ملتفت في ذلك إلى رتبة ولا خاطر وبما ان جميع المأمورين لهم والحالة هذه معاشات وافية وسترتب معاشات ايضاً لمن وجد بينهم بلا معاش يجب ان ينظر بقانون قوي يتأكد به بعد الآن عدم وقوع مادة الرشوة الكريهة المنفور منها شرعاً التي هي السبب الاعظم في خراب الملك وبما أن هذه المواد المشروحة هي كناية عن تغيير الاصول العتيقة وتجديدها بتمامها ينبغي أن تعلن إرادتنا هذه السلطانية مشاعة إلى أهالي دار السعادة وجميع ممالكنا المحروسة وأن يعلم بها رسماً جميع السفراء المقيمين في دار سعادتنا لتكون الدول المتحابة أيضاً شهوداً على إبقاء هذه الاصول إلى الأبد إن شاء الله تعالى ونلتمس من ربنا تعالى ونقدس أن يوفقنا جميعاً والذين يفعلون حركةً تخالف هذه القوانين المؤسسة فيكونون مستحقين لعنة الله تعالى وعدم الفلاح إلى الأبد آمين.
في 26 شعبان سنة 1255
المصدر: نوفل أفندي نعمة االله نوفل (ترجمة من اللغة التركية إلى اللغة العربية). "الدستور"، المجلد الأول. بيروت: المطبعة الأدبية، 1301 [1883]. ص 2-5.