نتيجة للجهود الدبلوماسية الفلسطينية، تعترف عدة بلدان في
يُفاجأ كثير من المراقبين الخارجيين حين يعلمون أن هندوراس تضم ثاني أكبر جالية فلسطينية في العالم خارج الشرق الأوسط، بعد تشيلي. ففي هذه الدولة الواقعة في أميركا الوسطى والتي لا يتجاوز عدد سكانها أحد عشر مليون نسمة، يعود نحو ثلاثمئة ألف شخص إلى أصول فلسطينية.
شكّل الفلسطينيون في هندوراس تجمعاً اقتصادياً ناجحاً، وكانوا على مدى عقود جزءاً بارزاً من النخبة التجارية والسياسية في البلاد. وكما هي الحال في سائر أماكن الشتات الفلسطيني في أميركا اللاتينية، فإن معظم فلسطينيي هندوراس مسيحيون من منطقة بيت لحم، بدأت هجرتهم في أواخر القرن التاسع عشر كتجار متجولين. وعلى مدى قرن ونصف القرن، نمَّى هذا المجتمع شعوراً متماسكاً بالهوية الفلسطينية من خلال جمعيات ثقافية واجتماعية متعددة. غير أن هذه الهوية لم تتحول إلى مشاركة واسعة في حركة التضامن العالمية مع حركة التحرر الفلسطينية التي تطورت منذ ستينيات القرن الماضي. ولعلّ الفلسطينيين في هندوراس اشتهروا، أكثر من أي مكان آخر في أميركا اللاتينية، بمواقفهم السياسية المحافظة. ومع أن الواقع أكثر تعقيداً مما يبدو في أكثر الأحيان، إلاّ إن الجالية الفلسطينية بقيت بمعظمها بعيدة عن الارتباط بسياسات التحرر الفلسطيني.
على خطى تجارة الموز
ترتبط الهجرة الفلسطينية إلى هندوراس ارتباطاً وثيقاً بازدهار تجارة الموز العالمية. ففي أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر، أدرك التجار الفلسطينيون المقيمون بجزر الكاريبي، مثل كوبا وهايتي، الفرص الناشئة على الساحل الكاريبي للهندوراس. وكان العمل قد بدأ في إنشاء خط جديد للسكك الحديدية في تلك المنطقة النائية منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، كما تبنّت الحكومة الهندوراسية سياسة الهجرة المفتوحة أملاً في جذب مستثمرين بيض من أوروبا وأميركا الشمالية. وأدرك التجار الفلسطينيون أن عليهم اغتنام هذه الفرصة، فبدأوا يتتبعون خط سكة الحديد جنوباً من ميناء بويرتو كورتيس، يبيعون سلعاً صغيرة استوردوها من جزر الكاريبي وأوروبا وأميركا الشمالية، مثل الأطعمة المجففة والأدوات والملابس. وكان هدفهم النهائي تسويق سلعهم لدى العمال الذين توافدوا إلى مزارع الموز الجديدة الممتدة على طول خط سكة الحديد. وعندما وصل التجار الفلسطينيون إلى نهاية الخط في بلدة سان بيدرو سولا الصغيرة، اضطروا إلى ركوب زوارق بدائية والتجديف عبر ممرات مائية ومستنقعات في ظل رطوبة خانقة، بحثاً عن المزارع المنتشرة في وادي سولا المحيط بها.
وكما في مناطق كثيرة من أميركا اللاتينية، شكّل المهاجرون الفلسطينيون طليعة الرأسمالية العالمية في شمال هندوراس. فقد كانوا أول من جلب السلع الاستهلاكية إلى مناطق لم تكن قد فُتحت بعد على الأسواق، ممهدين الطريق أمام الشركات الكبرى.
كان سلامة قطّان، المولود في بيت لحم سنة 1875، من أوائل الفلسطينيين الذين استقروا في وادي سولا، وكان أصغر إخوته الثمانية. وكان شقيقاه الأكبر، داود وجادالله، قد أسسا مراكز تجارية في كوبا وهايتي قبل أن يطلبا منه الالتحاق بهما في تسعينيات القرن التاسع عشر. وكانت مهمته استكشاف فرص التجارة في شمال هندوراس، فافتتح متجراً للسلع الجافة في بلدة إل بروغريسو في وادي سولا. وقد شجع نجاحه عدداً من أفراد عائلة قطّان على اللحاق به.
في تلك الفترة كان وادي سولا يشهد تحولات سريعة. فقد سيطرت شركات أميركية ضخمة، مثل يونايتد فروت وستاندرد فروت، على مزارع الموز ووسعتها. ومثّل هذا الاستثمار في البداية تهديداً للتجار الفلسطينيين، إذ افتتحت الشركات متاجرها الخاصة لتوفير ما يحتاج إليه العمال الذين جلبتهم من جامايكا. لكن الفلسطينيين أثبتوا قدرة كبيرة على المثابرة والتكيُّف؛ فطرحوا أنفسهم مورّدين بالجملة لمتاجر الشركات، وفي الوقت نفسه توسعوا في خطوط الاستيراد والتصدير لتلبية حاجات المدن المتنامية. ومن الأمثلة البارزة ما حققه حنّا نقولا قواس، ابن بيت لحم كذلك الذي وصل إلى مدينة لا سيبا الساحلية سنة 1898، وسرعان ما أسس شركة خوان ن. قواس وإخوانه التي صارت واحدة من أكبر شركات الجملة في هندوراس، واشتُهرت ببيع أحذية أوروبية عالية الجودة.
بينما شهدت مدن ساحلية مثل لا سيبا توسعاً سريعاً في العقد الثاني من القرن العشرين، ظلت سان بيدرو سولا مركز ازدهار تجارة الموز ومركز الجالية الفلسطينية. نمت المدينة نمواً هائلاً في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إذ ارتفع عدد سكانها من نحو 600 نسمة سنة 1870 إلى 17.000 نسمة بحلول سنة 1926. وكان الفلسطينيون من أوائل التجار الأجانب الذين اتخذوا من المدينة موطناً لهم، وأدوا دوراً محورياً في تنميتها الاقتصادية السريعة. وبرز تأثيرهم على نحو خاص في تجارة المنسوجات، منتقلين بسرعة من البيع بالتجزئة إلى التصنيع، وواضعين أسس صناعة الملابس الحديثة التي بلغت قيمتها ملايين الدولارات ومركزها سان بيدرو سولا (المصانع التجميعية). وهكذا، بعد ان اضطلعوا في البداية بدور مساعد غير مباشر في ازدهار تجارة الموز في منطقة الكاريبي، انتشر الفلسطينيون في مختلف أنحاء هندوراس، وسيطروا على قطاعات البنوك والتمويل والإعلام والتصنيع. ومع ذلك، ما زالت سان بيدرو سولا المركز الأهم للجالية الفلسطينية؛ فمن بين سكانها البالغ عددهم 800.000 نسمة، يقدّر أن نحو 25% منهم من أصل فلسطيني.
التحالفات الاجتماعية السياسية
يمكن أن ينظر إلى بروز الجالية الفلسطينية، بصفتها جيباً تجارياً ناجحاً في منطقة نائية وفقيرة نسبياً في هندوراس، كعامل يفسر ما عُرف عنها من مواقف محافظة سياسياً وانفصالها عن النضال الفلسطيني. ومع أن الفلسطينيين لم ينخرطوا مباشرة في تجارة الموز، إلاّ إن مكانتهم كمالكين لشركات كبيرة جعلتهم في كثير من الأحيان يقفون ضد الحركات العمالية في شمال البلاد. فعندما اندلع الإضراب الكبير سنة 1954، الذي انطلقت شرارته الأولى من عمال مزارع شركة يونايتد فروت في الشمال، بادر بعض التجار الفلسطينيين في سان بيدرو سولا إلى دعم المضربين بهدف تقويض احتكارات شركات الموز، لكن هذا الموقف لم يكن قابلاً للاستمرار طويلاً داخل مجتمع يسيطر على جزء كبير من الإنتاج الصناعي في البلاد. وبحلول أوائل ستينيات القرن العشرين، كان أصحاب مصانع النسيج الفلسطينيون يقمعون الحركات العمالية بقساوة؛ فقد استدعى مالكو مصنع فقوسه الجيش الوطني لقمع إضراب العمال سنة 1965، وفي مصنع حنضل في سان بيدرو سولا، قُتل عاملان مُضربان على يد حراس مسلحين في العام نفسه. وتشير الأدلة إلى أن هذه الأساليب كانت تحظى بتأييد واسع بين النخب الفلسطينية في هندوراس، وتذهب الباحثة سيليا بايزا إلى أن معاداة الشيوعية صارت المعتقد السياسي الرئيسي لهذه النخب بحلول سبعينيات القرن العشرين.
وعلى الرغم من تزايد ارتباط المجتمع الفلسطيني بالسياسات المحافظة المناهضة للشيوعية، فإن بوادر تنوّع مجتمعي بدأت تظهر بحلول الستينيات. فقد شكّلت شخصيات مثل المخرجين خورخي عصفورة وسامي كفاتي (1936–1996)، وفوزي بندك (1941–2006) مؤشراً على توجه بعض أفراد الجيل الشاب نحو مجالات الفنون والإعلام والتعليم. وكان هؤلاء الفلسطينيون الثلاثة، الذين نشأوا في أوساط طلابية يسارية في العاصمة تيغوسيغالبا، من الرواد في تأسيس سينما هندوراسية مميزة في خمسينيات القرن العشرين وستينياته. ويُعرف كفاتي خصوصاً بتصويره الواقعي للفقر اليومي وتسليط الضوء على دور الطبقة العاملة، كما في فيلمه "لا أرض بلا مالك" (No hay tierra sin dueño)الذي يُعد اليوم أول فيلم روائي طويل في تاريخ هندوراس.
ويمثل عمل كفاتي استثناء للقاعدة السائدة بين الفلسطينيين في هندوراس. ففي سان بيدرو سولا، كان رجال الأعمال الفلسطينيون يتجنبون عموماً التواصل مع الجمعيات الداعمة للقضايا اليسارية أو المناهضة للإمبريالية. غير أن تصويرهم بصفتهم يمينيين محافظين يخفي في كثير من الأحيان واقعاً أكثر تعقيداً. فقد أولى المؤرخ داريو يوراك اهتماماً خاصاً بالدور المركزي الذي أداه الفلسطينيون في تطوير ثقافة سياسية ليبرالية مميزة في شمال هندوراس. ووفق هذا التفسير، طوّر الرأسماليون المحليون والاتحادات العمالية تقاليد تفاوض وإصلاح ساعدت على تجنّب الاستقطاب والحروب الأهلية التي شهدتها دول أخرى في أميركا الوسطى خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وفي هذا السياق، اضطلع أصحاب الأعمال الفلسطينيون بأدوار رئيسية كوسطاء غير مرتبطين بالنخب القديمة في البلاد التي كانت تنحدر غالباً من أصول أوروبية.
الأصول الفلسطينية والسياسات الخارجية المؤيدة لإسرائيل
على الرغم من مساهمة الفلسطينيين في سياسة هندوراس الداخلية، فإن مشاركتهم في النضال الفلسطيني بقيت محدودة جداً. وكما هي الحال في مجتمعات الشتات الأُخرى، يحتفل الفلسطينيون في هندوراس بهويتهم من خلال الحفاظ على المطبخ الفلسطيني والتقاليد الثقافية، مثل الدبكة والزي التقليدي. وقد ساهم ذلك في ترسيخ شعور قوي بالانتماء، تعززه جمعيات بارزة من بينها "نادي هندوراس العربي" - وهو نادٍ اجتماعي مرموق في سان بيدرو سولا يستضيف أنشطة رياضية وفعاليات اجتماعية - و"نادي فلسطينو" لكرة القدم الذي أُعيد إطلاقه بعد أن كان قد أُسّس في الأصل على يد مهاجرين فلسطينيين سنة 1970 وشارك لفترة وجيزة في الدوري الممتاز في هندوراس خلال موسم 1996-1997.
لكن فيما يتعلق بدعم السياسات المناهضة للإمبريالية وبمساندة المقاومة الفلسطينية، غالباً ما أحجمت الجالية الفلسطينية عن القيام بذلك. ويزداد هذا التناقض وضوحاً عند النظر إلى الحضور الواسع للفلسطينيين في القيادة السياسية لهندوراس. ففي سنة 1998، صار كارلوس فلوريس فقوسه أول شخص من أصل فلسطيني يتولى رئاسة دولة في أميركا اللاتينية. ومنذ ذلك الحين، ترشح العديد من الفلسطينيين لمناصب عليا، لكن أحداً منهم لم يشكك في سياسات بلدهم الخارجية المؤيدة لإسرائيل. وفي انتخابات سنة 2025، كان المرشحان الرئيسيان من أصل فلسطيني: نصري عصفورة عن الحزب الوطني المحافظ، وسلفادور نصر الله عن الحزب الليبرالي الوسطي اليميني. وقد فاز عصفورة بالرئاسة وهو يفاخر بأصوله الفلسطينية، من جهة، ويعرب عن تأييده القوي للصهيونية، من جهة ثانية.
وفي كانون الثاني/ يناير 2026، بعد أيام قليلة من توليه منصبه، قام عصفورة بزيارة رسمية إلى إسرائيل التقى خلالها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ومسؤولين كباراً ودشَّن برنامجاً جديداً للتعاون العسكري والاقتصادي. ومع أن عصفورة هو مثال متطرف لفلسطينيي هندوراس الذين تخلوا عن النضال الفلسطيني - ويرجع ذلك جزئياً إلى معتقداته الصهيونية المسيحية الإنجيلية - فإن نهجه يعكس في الواقع تتويجاً لعقود من العلاقات الأمنية والاقتصادية الوثيقة بين إسرائيل وهندوراس، وهي علاقات وافق عليها وزراء من أصول فلسطينية مراراً. ومنذ سنة 2021، كانت هندوراس من الدول القليلة التي نقلت سفارتها إلى القدس، أسوة بالولايات المتحدة.
لم يكن الوضع دائماً على هذا النحو. فقد وثّق المؤرخون نديم بوالصة ولورين بانكو وعدنان مسلَّم أشكال التعبئة التي قام بها الفلسطينيون في هندوراس ضد الاستعمارَين البريطاني والصهيوني في فلسطين في أوائل القرن العشرين. وبلغ هذا النشاط ذروته في عشرينيات القرن الماضي عندما منعت قوانين الجنسية ذات الطابع التمييزي الإقصائي التي فرضتها بريطانيا آلاف الفلسطينيين في الشتات من العودة إلى وطنهم. لكن تعمق النضال الثوري في حركة التحرير الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي أدى إلى انقسام أيديولوجي حاد بين الفلسطينيين في هندوراس وأبناء وطنهم الذين خاضوا عمليات فدائية ضد إسرائيل. وفي نظر جالية تعد جزءاً من النخبة الاقتصادية في هندوراس، وتملك جزءاً كبيراً من موارد القطاعين المالي والصناعي، فإن دعم النضال الفلسطيني المناهض للرأسمالية صار أمراً غير مريح.
ومع مرور الوقت، اتسعت هذه الفجوة. وكما في أماكن كثيرة من العالم، اكتسبت فلسطين قيمة رمزية ترتبط بالانقسامات السياسية المحلية أكثر من ارتباطها بواقع الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أصولهم، يتبنى الفلسطينيون في هندوراس إلى حد كبير رؤية للعالم تقوم على اقتصاد السوق الحر، والمحافظة الاجتماعية، والسياسات الخارجية الموالية للولايات المتحدة. وعلى عكس دول مثل تشيلي، لم ينقسم المجتمع الفلسطيني في هندوراس إلى فئات اجتماعية متنوعة تسمح بظهور توجهات سياسية أكثر راديكالية. ومع أن هناك استثناءات وبعض المؤشرات على بروز معارضة شبابية للسياسات المؤيدة لإسرائيل، فإن هذه المعارضة الشبابية تعبّر عن أقلية داخل جماعة تنظر إليها الطبقة العاملة في هندوراس باعتبارها نخبة اقتصادية زبائنية تقوم على شبكات القرابة والامتيازات العائلية.