توصيات لجنة كنج ـ كرين
(مقتطفات)
باريس، 28 آب/ أغسطس 1919
سورية . فلسطين
تقدم اللجنة إلى مؤتمر الصلح الآراء الآتية لمعالجة المسألة السورية:
أ- إن أول وأهم ما تشير به هو أنه مهما كانت الإدارة اجنبية سواء كان ما يؤتى به إلى سورية دولة أو أكثر - أن لا تأتي كدولة مستعمرة بل كدولة وصية من قبل جمعية الأمم غايتها ومهمتها المقدسة (خدمة الشعب السوري وترقيته).
1- ويجب أن تكون مدة الوصاية محدودة تعينها الجمعية حسب الحقائق التي تراها في تقارير الدولة الوصية.
2- وان تكون للدولة الوصية سلطة كافية ذات زمن محدود أيضاً لتكفل نجاح الحكومة الجديدة وتتمكن من القيام بالمشاريع الأدبية والاقتصادية اللازمة لحياة البلاد.
...
ومهما كان نصيب الآراء الأخرى فإنه يجب العمل بهذه الآراء إذا كان مؤتمر الصلح وجمعية الأمم مخلصين لمبدأ الوصايات الموضوع في دستور الجمعية وتجب المحافظة على مصالح سورية الجوهرية كيفما كان شكل الإدارة فيها فإن المؤتمر السوري في دمشق تساوره المخاوف من جعل سورية مستعمرة لاحدى الدول تحت اسم آخر غير الاستعمار، فلذلك يجب نزع هذا الخوف بنزع أسبابه.
ب - وتشير اللجنة في الدرجة الثانية بالمحافظة على وحدة سورية حسب رغائب السواد الاعظم من سكانها كما تدل على ذاك عرائضهم.
1- لان البلاد المشار إليها محدودة وعدد سكانها قليل جداً ووحدتها الجغرافية والاقتصادية والجنسية واللغوية واضحة بينة لا تحتمل انشاء حكومات مستقلة ضمن حدودها المطلوبة. وإذا كان في الوسع تجنب هذا التقسيم فإن البلاد عربية بلغتها ومدنيتها وتقاليدها وعاداتها.
2- ان هذا الرأي مطابق للنظريات العامة التي سبق ورودها كما أنه ينطبق على مبادئ جمعية الأمم ويتفق مع رغائب الأكثرية في البلاد.
3- يجب أن ترسم حدود سورية الجغرافية لجنة خاصة وتعتقد اللجنة أن طلب المؤتمر السوري ادماج كيليكية في سورية لا مسوغ له تاريخياً ولا تجارياً ولا من حيث العلاقات اللغوية لان الحد الفاصل بين أبناء اللسان العربي وأبناء اللسان التركي يضع كيليكية مع آسيا الصغرى أكثر مما يضعها مع سورية. وعلاوة على ما تقدم فليست سورية محتاجة إلى شاطئ بحري آخر مثل اقسام آسيا الصغرى.
4- ولا ينبغي حين الاعتراف بوحدة سورية نسيان الاماني الطبيعية في المناطق التي تشبه لبنان الذي له نوع من الاستقلال. وتكون الوحدة اصح وأمتن اذا أعطي لبنان وما شاكله نوعاً واسعا من الاستقلال الإداري فإن برنامج دمشق نفسه يطلب حكومة على قاعدة اللامركزية الواسعة. تمتع لبنان بكثير من الرخاء والحكم الإداري في المملكة التركية فمن الضروري أن لا يكون حظه في المملكة السورية أقل من حظه في المملكة التركية، بل يجب أن يعتقد بأن علاقاته الاقتصادية والسياسية مع باقي سورية تكون وهو عضو في سورية افضل منها إذا انفصل عنها انفصالاً تاماً.
...
الصهيونية
تشير اللجنة بوجوب تنقيح البرنامج الصهيوني لفلسطين تنقيحاً كبيراً لا سيما مهاجرة اليهود غير المحدودة التي ترمي إلى جعل فلسطين بلاداً يهودية.
(1) باشرت اللجنة درس الصهيونية وهي ميالة إلى استحسانها ولكن الحقائق الحسية التي وجدتها في فلسطين مع قوة المبادئ العامة التي أعلنها الحلفاء وقبلها السوريون حملتها على وضع المشورة الآنفة.
(2) تلقت اللجنة من اللجنة الصهيونية فصولاً انشائية كثيرة عن البرنامج الصهيوني وسمعت كثيراً عن المستعمرات الصهيونية ومطالبها في المؤتمر ورأت بنفسها شيئاً مما فعلته ووجدت عدداً كبيراً يؤيد أماني الصهيونيين وخططهم وهي تعجب من انصراف تلك الجوالي إلى العمل وتغلبها بالوسائط الحديثة على العقبات الطبيعية.
(3) تعتقد اللجنة أن الصهيونيين حصلوا على تشجيع معلوم من الحلفاء في تصريح اللورد بلفور الذي كثر اقتباسه والاستشهاد به وتصديق ممثلي الحلفاء الآخرين عليه. انما إذا عمل بهذا التصريح الذي يقضي بانشاء "وطن قوميٍ لليهود في فلسطين مع الفهم الصريح بأنه لا يجب أن يعمل شيء يمس بالحقوق المدنية والدينية التي للجماعات غير اليهودية في فلسطين".
إذا عمل بهذا النص لا يبقى شك في أنه يجب ادخال تعديل كبير على البرنامج الصهيوني.
إن إنشاء وطن قومي "للشعب اليهودي" لا يعني جعل فلسطين بلاداً يهودية كما أنه لا يمكن إقامة حكومة يهودية بدون اهتضام الحقوق المدنية والدينية التي للجماعات غير اليهودية في فلسطين. والحقيقة التي وقفت اللجنة عليها في أحاديثها مع ممثلي اليهود هي ان الصهيونيين يتوقعون أن يجلوا السكان غير اليهود من فلسطين بشراء الأراضي منهم.
إن الرئيس ويلسن في خطبته التي ألقاها في 4 يوليو سنة 1918 وضع المبدأ التالي كواحد من المقاصد الأربعة الكبرى التي يحارب الحلفاء من أجلها وهو:
"حل كل مسألة سواء كانت تتعلق بالأرض أو السيادة أو المسائل الاقتصادية والسياسية يجب أن يبنى على قبول الناس الذين يتعلق بهم قبولاً حراً لا على المصالح المادية أو لفائدة أي دولة أو أمة أُخرى ترغب في حل آخر خدمة لنفوذها الخارجي أو لسيادتها" فإذا كان هذا المبدأ سيسود وإذا كانت رغائب السكان غير اليهود في فلسطين – وهم تسعة اعشار السكان كلهم تقريباً – يرفضون البرنامج الصهيوني رفضاً باتاً والجداول تثبت أن سكان فلسطين لم يجمعوا على شيء مثل اجماعهم على هذا الرفض فتعريض شعب هذه حالته النفسية لمهاجرة يهودية لا حد لها ولضغط اقتصادي اجتماعي متواصل ليسلم بلاده – نقض شائن للمبدأ العادل الذي تقدم شرحه، واعتداء على حقوق الشعب وان كان ضمن صور قانونية.
وقد اتضح أيضاً أن الشعور العدائي ضد الصهيونية غير قاصر على فلسطين بل يشمل سكان سورية بوجه عام فإن 72 بالمئة من مجموع العرائض – البالغ عددها 1350 – في سورية ضد الصهيونية ولم ينل مطلب نسبة أكبر من هذه النسبة غير الوحدة السورية والاستقلال. وقد اعرب المؤتمر السوري الدمشقي* عن هذا الشعور العام في المواد 7، 8 و 10 من بيانه.
ولا ينبغي لمؤتمر الصلح أن يتجاهل أن الشعور ضد الصهيونية في فلسطين وسورية بالغ أشده وليس من السهل الاستخفاف به فإن جميع الموظفين الإنكليز الذين حادثتهم اللجنة يعتقدون أن البرنامج الصهيوني لا يمكن تنفيذه إلا بالقوة المسلحة ويجب أن لا تقل هذه القوة عن خمسين ألف جندي، وهذا في نفسه برهان واضح على ما في البرنامج الصهيوني من الاجحاف بحقوق غير اليهود. لا بد من الجيوش في بعض الأحيان لتنفيذ القرارات ولكن ليس من المعقول أن تستخدم الجيوش لتنفيذ قرارات جائرة. هذا فضلاً عن أن مطالب الصهيونيين الأساسية في حقهم على فلسطين مبنية على كونهم احتلوها منذ ألفي سنة وهذه دعوى لا تستوجب الاكتراث والاهتمام.
وهناك أمر لا يجوز اغفاله إذا كان العالم يريد أن تصير فلسطين مع الوقت بلاداً يهودية وهو أن فلسطين هي الأرض المقدسة عند اليهود والمسيحيين والمسلمين على السواء يهم أمرها ملايين من المسيحيين والمسلمين في العالم ولا سيما ما يتعلق من تلك الأحوال بالعقائد الدينية والحقوق، فمسألة فلسطين وما يتفرغ منها مسألة دقيقة حرجة ومن المستحيل أن يرضى المسلمون والمسيحيون بوضع الأماكن المقدسة تحت رعاية اليهود مهما حسنت مقاصد هؤلاء. والسبب في ذلك هو أن الأماكن الأكثر تقديساً عند المسيحيين هي ما له علاقة بالمسيح والأماكن التي يقدسها المسلمون غير مقدسة عند اليهود بل مكروهة. ولا يستطيع المسيحيون والمسلمون في هذه الأحوال أن يرضوا عن وضع تلك الأماكن تحت إشراف اليهود. ثم هناك أماكن أُخرى لها في نفوس المسلمين مثل هذا الشعور، ولما كانت هذه الأماكن كلها مقدسة ومحترمة من المسلمين كانت وصايتهم عليها فيما مضى أمراً طبيعياً فالذين يطلبون صيرورة فلسطين يهودية لم يحسبوا للنتائج حسابها ولا للشعور العدائي ضد الصهيونية في جميع أنحاء العالم التي تعتبر فلسطين أرضاً مقدسة.
وبناء على ما تقدم تشعر اللجنة مع عطفها على مسألة اليهود أن الواجب يقضي عليها بأن تشير على المؤتمر أن لا يؤيد غير برنامج صهيوني معتدل يجب العمل فيه بالتدريج وبعبارة أُخرى يجب تحديد المهاجرة اليهودية إلى فلسطين والعدول بتاتاً عن الخطة التي ترمي إلى جعل فلسطين حكومة يهودية.
ولا يوجد هناك سبب يمنع ضم فلسطين إلى سورية المتحدة كأقسام البلاد الاخرى ووضع الأماكن المقدسة تحتد إدارة لجنة دولية دينية تكون كما هي الحال في الوقت الحاضر تحت إشراف الدولة الوصية وجمعية الأمم ويكون لليهود بالطبع عضو في هذه اللجنة.
* إشارة إلى الرسالة التي بعثها المؤتمر السوري العام إلى لجنة كينغ - كرين في 3 تموز/ يوليو 1919.
المصدر: "القضية الفلسطينية: الوثائق الرسمية" (بيروت: الأونروا، 1970)، ص 44 – 49.