سيرة

قسطنطين زريق

سيرة

قسطنطين زريق

18 نيسان 1909, دمشق
12 آب 2000, بيروت

ولد قسطنطين زريق في 18 نيسان/ أبريل 1909 في مدينة دمشق لعائلة مسيحية أرثوذكسية من الطبقة الوسطى، عُرفت بتعاطيها الأعمال التجارية، وكانت تقطن حي القيمرية، وهو من أشهر أحياء دمشق القديمة، ومن أهم مواطن التجار الدمشقيين.

والده: قيصر زريق؛ والدته: عفيفة خوري. زوجته: نجلاء قرطاس. بناته: إلهام، هدى، عفاف، حنان.

كان والده قيصر قد هاجر إلى كولومبيا ثم عاد قبل الحرب العالمية الأولى واقترن بعفيفة خوري، وأنجب أربعة أولاد كان قسطنطين أكبرهم، ثم هاجر الأب قيصر مجدداً إلى كولومبيا في سنة 1923 وتوفي بعد عام واحد وهو في المهجر.

نشأته وتحصيله العلمي

أمضى قسطنطين زريق طفولته وصباه في دمشق، وكانت عائلته قد انتقلت إلى دار للسكن تحيط بالكاتدرائية والمدارس الأرثوذكسية، وتجاور الأحياء الإسلامية. وقد خلفت أجواء التسامح والتعاون التي سادت بين أبناء الديانتين أثراً بالغاً في نفسية زريق وشخصيته.

أتم قسطنطين زريق دراسته الابتدائية والثانوية في مدرسة الآسية الأرثوذكسية. وعلى الرغم من الارتباط الطائفي لهذه المدرسة، فإنها ضمت عدداً لا بأس به من التلامذة المسلمين، وعُرفت برفعة مستواها وخصوصاً في العلوم العربية. ونظراً إلى تفوقه العلمي حصل على منحة لدراسة الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1924، وكان عمره 15 عاماً، لكنه حوّل مجال دراسته إلى التاريخ ونال درجة بكالوريوس في الآداب في سنة 1928.

بعد نيله الإجازة الجامعية، سافر قسطنطين زريق إلى الولايات المتحدة لإكمال اختصاصه بالتاريخ في جامعة شيكاغو، فحاز شهادة الماجستير في الآداب سنة 1929، ثم التحق بجامعة برنستون وحاز شهادة الدكتوراه في سنة 1930.

سيرته المهنية

بعد حصوله على درجة الدكتوراه، عاد قسطنطين زريق إلى بيروت، فعيّن أستاذاً مساعداً في الجامعة الأميركية حتى سنة 1942، عندما نال رتبة أستاذ مشارك في الجامعة نفسها.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، التحق قسطنطين زريق، بين سنتَي 1946 و1947، بالسلك الدبلوماسي السوري، فعمل مستشاراً أول في المفوضية السورية في واشنطن، ووزيراً مفوضاً للجمهورية السورية في العاصمة الأميركية وعضواً مناوباً في مجلس الأمن في مدينة نيويورك.

بعد رجوعه إلى بيروت، عاد زريق إلى التدريس في الجامعة الأميركية بصفته أستاذاً، وشغل بين سنتَي 1947 و1949 منصب نائب رئيس الجامعة الأميركية.

عُيّن قسطنطين زريق رئيساً للجامعة السورية في دمشق بين سنتَي 1949 و1952. وفي ذلك العام، دخلت وحدات من الشرطة العسكرية، في عهد العقيد أديب الشيشكلي، إلى حرم الجامعة لقمع تظاهرة طلابية نُظمت فيها، فنزل زريق إلى ساحة الجامعة لحماية الطلاب، فتعرض له أحد ضباط هذه الشرطة، الأمر الذي جعله يترك منصبه على الرغم من اعتذار الحكومة السورية له.

عاد قسطنطين زريق إلى بيروت ليشغل منصب نائب رئيس الجامعة الأميركية ومنصب عميد الكليات فيها بين سنتَي 1952 و1954، ثم منصب رئيس الجامعة بالوكالة بين سنتَي 1954 و1957.

خلال الفترة 1957 -1977، عمل قسطنطين زريق أستاذاً ممتازاً في الجامعة الأميركية في بيروت، وسافر في سنة 1965 إلى الولايات المتحدة ليعمل أستاذاً زائراً في جامعة كولومبيا، وحصل في سنة 1967 على دكتوراه فخرية في الآداب من جامعة ميشيغن، ثم عمل، في سنة 1977، أستاذاً زائراً في جامعتَي جورجتاون ويوتا.

بعد تقاعده في سنة 1977، ظل زريق يدّرس في الجامعة الأميركية ويشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه بصفته أستاذاً ممتازاً متقاعداً حتى وفاته في سنة 2000.

نشاطه القومي

برز قسطنطين زريق في الثلاثينيات، من موقعه كأستاذ في الجامعة الأميركية، بمثابة "المرشد" و"الأب الروحي" لجمعية طلابية، أدبية فكرية، ذات صبغة قومية عربية تأسست بعد الحرب العالمية الأولى باسم "جمعية العروة الوثقى"، وأصدرت مجلة بالاسم نفسه كان يكتب فيها بعض أساتذة الجامعة العرب وطلابها. في سنة 1935، انخرط زريق بالعمل السياسي المباشر، فشارك في مدينة بيروت في تأسيس النواة الأولى لـ "الحركة العربية السرية" القومية وترأسها. وقد عُرفت هذه الحركة، التي مدت نشاطها إلى عدد من البلدان العربية، باسم جماعة "الكتاب الأحمر"، نسبة إلى ميثاقها الذي صدر بعنوان: "القومية العربية"، وكان غلافه باللون الأحمر، وهي حركة يقول قسطنطين زريق عنها "استقر رأينا على تأسيس حركة قومية تضمّ نفراً مختاراً من المفكرين والعاملين، لا يكون همهم الأول الانخراط في الركاب السياسية الراهنة، بل وضع الأسس لتنظيم قومي شامل على مفهوم صحيح للأهداف القومية".

ويقول مشارك آخر في تأسيسها وهو تقي الدين الصلح، إن "تسمية "الكتاب الأحمر" لم تحمل هدفاً محدداً وإنما جاءت بالصدفة البحتة بعدما طبع غلاف الميثاق على ورق أحمر، فأطلقوا عليه "الكتاب الأحمر" بسبب مظهره الخارجي". وقد نص ذلك الميثاق على العمل على تأسيس "دولة قومية عربية متحضرة، قادرة على صون كيان العرب المادي والمعنوي، ورفع شأنهم والاستمرار في تأدية رسالتهم إلى الإنسانية والحضارة العالمية". وأكّد السعي لتأسيس "دولة عربية قومية لا دولة دينية، ولا دخل للدين في الشؤون الدنيوية الخالصة كالإدارة والاحكام المدنية والعقوبات". كما شدّد الميثاق على ضرورة أن يتعرّف المواطن العربي على حقيقة ثقافته القومية، فـ "يعرف حقيقة نفسه كفرد، فيعتز بما عنده من خصال وفضائل ويجاهد لإصلاح ما لديه من عيوب تشيع بين العرب، مثل الفردية المانعة للتعاون وضعف الثقة بالنفس والإفراط في الاشتغال بالمسائل الروحية".

وقد اهتمت هذه الحركة بفتح المدارس، وتنظيم حملات مكافحة الأمية، وتدريب الشبان على استعمال السلاح، وشاركت في نقل الأسلحة إلى الثوار الفلسطينيين خلال الثورة الفلسطينية الكبرى، كما شاركت في الحركة الثورية التي شهدها العراق في أيار/ مايو 1941 بقيادة رشيد عالي الكيلاني وعقداء الجيش العراقي الأربعة، الذين عرفوا باسم "المربع الذهبي"، وكان هدفها طرد الإنكليز من العراق وإحلال الجمهورية محل النظام الملكي.

بعد فشل تلك الحركة الثورية في تحقيق أهدافها، أصيب قسطنطين زريق بخيبة أمل، دفعته إلى الانسحاب من العمل السياسي المباشر، وتركيز اهتمامه على البحث الفكري. ومع ذلك، فقد كان له، بعد سنوات، تأثير واضح في أفراد النواة القومية التي انبثقت منها حركة القوميين العرب.

منهجه النقدي

احتل قسطنطين زريق مكانة مرموقة بين المفكرين العرب المعاصرين، فكان من رواد الفكر القومي العربي، ومن دعاة النهضة العربية القائمة على الحرية، والديمقراطية، والعلمانية والعلم. وأعار اهتماماً خاصاً بمعرفة تاريخ العرب بصفته أداة للتفكير في مستقبلهم.

في سنة 1939، أصدر قسطنطين زريق كتابه الأول بعنوان "الوعي القومي: نظرات في الحياة القومية المتفتحة في الشرق العربي"، الذي قدّر فيه أنه "ليس من أمل للنهضة القومية العربية ما لم تكن مستمدة من فلسفة قومية تصوّر روحها وتحدد اتجاهها، وتنصب لها الأهداف، وتعين لها السبل والوسائل". كما رأى ضرورة تحويل هذه الفلسفة إلى عقيدة قومية "تسير بأفراد العرب وجماعاتهم قدماً إلى الأهداف الصحيحة، وتملأ نفوسهم عزماً وأملاً، وتشيع فيها معنى وسمواً وجمالاً".

في آب/ أغسطس 1948، كان قسطنطين زريق، في الكتاب الذي أصدره بعنوان "معنى النكبة"، أول من لجأ إلى منهج النقد الذاتي في مقاربة النكبة، وهو منهج لم يفارقه في كل كتبه اللاحقة. ولعل زريق كان أول  من طرح هذه التسمية في كتابه للهزيمة في فلسطين حينذاك، وحاول فيه أن يحلل الأسباب البعيدة والقريبة لتلك الواقعة في ضوء الامتحان الداخلي والنقد الذاتي، وأن يتلمس سبل الخلاص من الضعف الذي كان يميّز الحياة العربية، مشيراً إلى أن ما أحرزه الصهيونيون من نصر "ليس مرده تفوق قوم على قوم، بل تميّز نظام على نظام"؛ سببه "أن جذور الصهيونية متأصلة في الحياة الغربية الحديثة، بينما نحن لا نزال في الأغلب بعيدين عن هذه الحياة متنكرين لها"؛ سببه "أنهم يعيشون في الحاضر وللمستقبل، في حين أننا لا نزال نحلم أحلام الماضي ونخدّر أنفسنا بمجده الغابر".

وفي سنة 1953، أكد ضرورة تقوية الإحساس بالخطر الصهيوني، باعتباره الخطر الأعظم على الكيان العربي، معتبراً أن إحساسنا بهذا الخطر مرتبط بمقدار العلم به، وملاحظاً "أن جهلنا بالصهيونية ومشاريعها شائن فاضح"؛ فبينما أن الصهيونيين "يعرفون كل صغيرة وكبيرة عنا ويقدّرون حق القدر وجوه القوة ووجوه الضعف فينا "، تروننا "جاهلين كل الجهل لواقعهم الحاضر وأغراضهم للمستقبل ".

في كتابه: "أي غد"، الصادر سنة 1957، لم يتجاهل قسطنطين زريق دور العوامل الخارجية وقوة العدو الذي يواجهه العرب، لكنه سعى، بصورة رئيسية، إلى استكشاف مسؤولية العرب الذاتية في التخبط والتعثر الذي أصابهم، فكتب: "كثيراً ما تساءلت وأنا أدرس تاريخ أمتنا العربية الماضي عن أسباب انحلال سلطتها وتدهور حضارتها، وكنت فيما مضى أعزو ذلك إلى ما انتابها من حروب وما أصابها من غزوات. غير أني، لا أشك، غدوت الآن أعتقد أن السبب الأول والأهم في ذلك كلِه إنما كان الضَعفَ الداخلي الناتج عن ضَعف العلة الرئيسية من علل التنظيم والإبداع، أي الشخصية العربية". وأضاف: "فلقد أقفل العقل العربي على نفسه الأبواب والنوافذ، فانقطع عن النمو، وكل ما لا ينمو ينحل، كما أن كل ما لا يتقدم يتأخر، والتهت الروح العربية بالأهداف الشخصية واللذائذ المادية، فضعف خلقها، وقل جهدها، وانحط تقديرها للمسؤولية الملقاة على عاتقها، فلا بِدَع أن فقدت كيانها، ولم تعد ما هي، وأصبحت منفعلة بعد أن كانت فاعلة".

في سنة 1965، طوّر قسطنطين زريق أفكاره هذه ودعا صراحة إلى إنشاء علم للنكبة، إذ أشار، في مقال نشره في مجلة "المعرفة" الدمشقية في ذلك العام، إلى أنه "كثيراً ما نسمع ونقرأ عن " أدب النكبة "، ونتساءل عما إذا كان هذا الأدب خليقاً بالفاجعة التي حلّت بالعرب في فلسطين، وجديراً بأن يكون باعثاً لقوى جديدة تمحو آثار هذه الفاجعة وتنطلق منها إلى الغلبة والنصر"، لكنه اعتبر بأن ثمة تساؤلاً "لا يقل عن هذا ضرورة وخطراً، بل يفوقه في هذا العصر بخاصة "، وهو ذلك التساؤل "عن الدراسات الثاقبة الدقيقة منها والشاملة لقضية فلسطين: أصولها، وأطوارها، وأحوالها الحاضرة، ومستقبلها، نعني التطلع إلى ما يمكن أن ندعوه، بل ما يجب أن ندعوه: علم النكبة". فعلى الرغم من كثرة الأقوال وارتفاع الأصوات في قضية فلسطين، فإن صوتاً واحداً لم يرتفع بعد، في نظره، ألا وهو "صوت العلم، العلم الذي من شأنه أن يتناول هذه القضية، كما يتناول أية قضية أُخرى، بالدراسة المنتظمة والتتبع المستمر والبحث الدقيق والنظرة الشاملة". فقضية فلسطين – كما تابع – "ليست قضية سهلة بسيطة؛ إن لها نواحيها التاريخية والقانونية والسياسية والاقتصادية والعلمية وسواها، وكل ناحية من هذه النواحي تحتاج إلى اختصاصيين فيها".

ورداً على من قد يجد هذا القول غريباً، على اعتبار أن القضية الفلسطينية ليست قضية علم، بل هي قضية حق، "حق العرب الطبيعي والشرعي في أرضهم ووطنهم"، أكد زريق أن مجرد الحق في عالم اليوم لا يكفي، "إذا لم تدعمه قوة أو يسنده سلطان"، ومن أنواع القوة "قوة العقل الذي يسيطر على موضوعه بالنظر الدائب والجد المستمر، ويحيط به من جميع أطرافه، ويكوّن فيه وحوله ذخيرة علمية وفنية وفكرية تغدو سنداً قوياً للعمل الراشد النافذ"، ولا سيما أن العدو الصهيوني "لم يهمل هذه القوة، بل جعلها منذ نشأته دعامة من أرسخ دعائم عمله".

وقد انطلقت دعوة زريق إلى إنشاء علم النكبة من قناعته الراسخة، التي لم تهتز على مدى حياته، بأهمية دولة العقل، كما انطلقت من اعتقاده بأهمية دور المفكر العربي الملتزم في إشاعة الوعي وإنارة طريق النضال. فالمفكرون، في نظره، "هم الذين يتفهمون المشاكل، ويعيّنون الأهداف، ويرسمون الخطط، ويحددون الواجبات والوظائف"، ومن أول واجبات المفكر في أوقات الأزمات "هو أن يحس بالأزمة ويحياها"، وأن يحدد، تحت وطأة الأزمة التي يحياها، فهمه لوظيفته، التي تتمثّل في "تبيّن الحق وتبنّيه، والتصدي للجهل ومكافحته، والثورة على الظلم والفساد". أمّا إذا اتخذ المفكر لنفسه مثلاً وظيفة التاجر، وقصد من عمله الربح المادي، فقد "ضلّ غايته وانتكس عن واجبه".

بعد وقوع هزيمة حزيران/ يونيو 1967، أصدر قسطنطين زريق كتاباَ جديداً بعنوان "معنى النكبة مجدداً"، جرى فيه على مثال الكتاب الأول في محاولة تحليل الأسباب وتقويم النتائج واستخلاص العبر، فقدّر أن الفارق بين العرب والإسرائيليين هو فارق حضاري في المقام الأول: "فمجتمعنا العربي والمجتمع الإسرائيلي الذي نجابهه ينتميان إلى حضارتين مختلفتين، أو إلى مرحلتين متفاوتتين من مراحل الحضارة". وهذا هو "السبب الأساسي لضَعفنا على كثرة أعدادنا، ولقوتهم على قلة عددهم"؛ وهذا الفارق الحضاري بين المجتمعين يتجسد "في الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة، ولا سيما في مجال العلم والعقلانية الذي تتميّز به هذه الحضارة".
اعتبر قسطنطين زريق أن هناك سبيلين مترابطين لتجاوز آثار النكبة: الأول هو التجدد الحضاري، والثاني هو الإنشاء القومي. فالتجدد الحضاري يعني "أن نصبح بالفعل والروح، لا بالاسم والجسم فقط، قسماً من العالم الذي نعيش فيه، نجاريه في نظم العيش والفكر، ونتكلم لغته، ونتصل بأصوله، ونضم مقدراتنا إلى مقدراته". وهي غاية لن تتحقق، في نظره، "ما لم يحدث تبدّل أساسي في الوضع العربي، وانقلاب تام في أساليب تفكيرنا وعملنا وحياتنا بكاملها". أمّا على صعيد المجتمع، فيتطلب التجدد الحضاري قيام مجتمعات علمية وتقدمية؛ وإذا كانت درجة اكتساب المجتمع للأسلوب العلمي هي المقياس الأول لمجتمع التقدم، فإن هناك مقياساً آخر أعم وأشد خطورة، في نظره، هو المقياس الخلقي الأدبي، الذي يظهر بعدة مظاهر، منها توفر الحرية السياسية والاجتماعية والفكرية، ومحاربة الروابط الاجتماعية المانعة للرابطة القومية، وتحقيق علمانية الدولة من خلال فصل الدولة عن التنظيم الديني فصلاً مطلقاً، واحترام استقلال القضاء، وضمان العدل الاقتصادي والاجتماعي وتساوي الناس في الفرص، والإقرار بأن لكل مواطن وكل إنسان شخصية لها حرمتها وكرامتها، وفتح الصدر لاكتساب خير ما حققته الحضارات الإنسانية من قيم عقلية وروحية أثبت صحتها الاختبار الإنساني.
أمّا السبيل الثاني الذي حدده قسطنطين زريق لتجاوز ما حلّ بالعرب من نكبات، فهو الإنشاء القومي، الذي يتجسد في قيام كيان قومي متحد تقدمي، بحيث "ينتظم العرب في اتحاد يوحّد سياستهم الخارجية والاقتصادية وقواهم الدفاعية"، وهو اتحاد لن يتحقق إذا لم يتحقق للعرب شرط أساسي هو "التطور الاقتصادي والاجتماعي والفكري". فالتكوّن القومي لم يظهر في الغرب، ولن يظهر في أية بقعة من بقاع الأرض "إذا لم تتوفر له شروط اقتصادية واجتماعية وفكرية معينة، فهو لم ينشأ إلاّ على أنقاض الإقطاعية - بل القبلية - والطائفية والجبرية والغيبية؛ لم يقم إلاّ عندما دخلت الآلة فقلبت النظام البدائي الراكد المتفرق في الاقتصاد والعيش إلى نظام متطوّر اختصاصي متشابك، وعندما خُفضت الحواجز المنيعة القائمة بين طبقات الشعب، وسرى العلم المنطقي المنظّم فضبط نوازع الخيال ومجاري الفكر وحوّل العقلية البسيطة الساذجة إلى عقلية واعية متفتحة مركّبة". أمّا الذين يعملون اليوم لإنشاء قومية عربية واتحاد عربي على أساس الوضع الاجتماعي الحاضر، فهم "يحاولون عبثاً، لأن جهودهم لا تماشي مجرى التاريخ وقوانين الاجتماع، ولن تثمر هذه الجهود إلاّ إذا ارتبط الجهاد للاتحاد بجهاد للانقلاب الداخلي وبُني على أساسه".
لقد بقي قسطنطين زريق على قناعة راسخة بأن النصر النهائي في المعركة بين العرب وبين الصهيونية والقوى الداعمة لها لن يتحقق ما لم يحصل ذلك الانقلاب الجذري في الحياة العربية. ففي مقال له بعنوان "المحطة والطريق"، نشره في صحيفة "الحياة" اللندنية في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1991، لخص أفكاره عن التجدد الحضاري والإنشاء القومي، فكتب: "إن مصيرنا مرتبط آخر الأمر بما نحقق من إنشاء قومي وتجدد حضاري. إن هزائمنا السابقة نتجت عن ضآلة مكاسبنا في هذا الميدان المزدوج، وما كانت الصهيونية لتمثل الخطر الجسيم الذي تمثله اليوم لو أننا كنا أعددنا لأنفسنا القدرة المطلوبة لنضالنا ضدها؛ إن الصراع بيننا وبينها ليس صراعاً بين أديان أو أجناس أو عقائد، وإنما هو صراع بين جبهة سادرة متفككة وجبهة حية ناهضة استجمعت كل مصدر من مصادر القوة في مجتمعها وسخّرت لأغراضها كل مركز نفوذ لها في أنحاء العالم". وتابع: "إننا لن نفوز على أطماع الصهيونية والقوى المتسلطة العالمية إلاّ بقدر ما نحقق من مكاسب في ميادين كفاحنا الداخلية: في إصلاح الحكم وبسط سلطة القانون والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في كل من أقطارنا العربية وفي مجتمعنا القومي عامة، أي بقدر ما يكون نضالنا نضالاً عربياً مشتركاً، ونضالاً ذاتياً في سبيل الإنشاء القومي والتجدد الحضاري".

عضويته في جمعيات علمية

اختير قسطنطين زريق عضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية في دمشق بين سنتَي 1954 و2000، وعضواً مؤازراً في المجمع العلمي العراقي بين سنتَي 1979 و2000، وعضواً فخرياً في الجمعية التاريخية الأميركية.

كما اختير عضواً في المجلس التنفيذي لمنظمة "اليونسكو" بين سنتَي 1950 و1954، وعضواً في اللجنة العالمية للتاريخ العلمي والثقافي للإنسانية في المنظمة نفسها حتى سنة 1969 (سمي مشروع تاريخ الإنسانية فيما بعد). وانتخب عضواً في المجلس الإداري للهيئة العالمية للجامعات بين سنتَي 1955 و1965، ثم رئيساً لهذه الهيئة بين سنتَي 1965 و1970، ورئيساً فخرياً لها بين سنتَي 1970 و2000. كما انتخب رئيساً لجمعية أصدقاء الكتاب في بيروت بين سنتَي 1960 و1965.

مساهمته في البناء المؤسسي

كان قسطنطين زريق واحداً من المفكرين الثلاثة، إلى جانب وليد الخالدي وبرهان الدجاني، الذين فكروا في سنة 1962 في تأسيس مؤسسة بحثية تعنى بالقضية الفلسطينية وبالصراع العربي-الإسرائيلي. وفي سنة 1963، ولدت مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، وشغل زريق منذ تأسيسها وحتى سنة 1984 منصب رئيس مجلس أمنائها، ثم اختير رئيساً فخرياً لهذا المجلس حتى وفاته في سنة 2000.

كما كان قسطنطين زريق ضمن نخبة من المثقفين العرب الذين شاركوا، في سنة 1975، في تأسيس مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية.

الأوسمة والجوائز

نال قسطنطين زريق من الجمهورية السورية وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى سنة 1952، ووسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة سنة 1954، ومن الجمهورية اللبنانية وسام الأرز الوطني برتبة كومندور سنة 1956، ووسام الأرز الوطني برتبة ضابط أكبر سنة 1999، ووسام المعارف، ومن المملكة الأردنية الهاشمية وسام الاستقلال من الدرجة الأولى سنة 1994، كما نال صفة مواطن فخري في مدينة قارطاخينا في كولومبيا سنة 1967، ووسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب سنة 1993، ووسام القديسين بطرس وبولس برتبة كومندور من بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس في دمشق سنة 1993، والجائزة التقديرية في الثقافة العربية من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) سنة 1999.

وفاته
توفي قسطنطين زريق في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت عن عمر ناهز 91 عاماً في 12 آب/ أغسطس 2000. وقد وصفته الجامعة الأميركية بالقول: "كان عملاقاً في عصره، ومع ذلك اتسمت شخصيته بالتواضع واللطف، وكان يعامل الجميع، طلاباً كانوا أم قادة دول، بنفس الرسمية والاحترام". وتحتفظ الجامعة بمجموعة الأوراق الشخصية لقسطنطين زريق التي تبرعت بها بناته في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، والتي تشتمل على كتاباته الشخصية والمهنية ومحاضراته ومراسلاته. وأطلقت بلدية بيروت اسمه على شارع في منطقة الحمراء بالقرب من الجامعة التي أمضى فيها معظم حياته.

منذ سنة 1984، وبموجب قرار مجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية، أصبحت مكتبة المؤسسة في بيروت تحمل اسم قسطنطين زريق، تكريماً له، وعرفاناً لفضله، وتقديراً لفكره وعمله. كما أصدرت المؤسسة سنة 1988 كتاباً تكريمياً له ساهم فيه عدد من الباحثين العرب والأجانب.

في شباط/ فبراير 2002، أسس عدد من معارفه وأقربائه "مؤسسة قسطنطين زريق الثقافية" في بيروت، التي كان من ضمن أهدافها تقديم المساعدات للباحثين والدارسين وطلبة الدراسات العليا لإعداد الأبحاث والدراسات العلمية، والقيام بنشاطات ثقافية، وتنظيم مؤتمرات واجتماعات علمية ومنح جوائز علمية.

كما بثت قناة "الجزيرة الوثائقية" فيلماً عن سيرته وأفكاره ونضالاته بعنوان: "شيخ المؤرخين...قسطنطين زريق". وكان زريق قد بدأ في الفترة الأخيرة من حياته في كتابة سيرته، إلاّ إن الموت عاجله قبل أن ينهيها، وصدر ما أنجزه منها في كتاب حرره زميله وصديقه في مؤسسة الدراسات الفلسطينية هشام نشابة بعنوان: "ذكريات، سيرة لم تكتمل، قسطنطين زريق"، صدر سنة 2017 عن منشورات مركز دراسات الوحدة العربية.

من آثاره:

أصدر قسطنطين زريق عشرات المؤلفات والدراسات والمقالات، ومن مؤلفاته: "الوعي القومي: نظرات في الحياة القومية المتفتحة في الشرق العربي" (1939)؛ "معنى النكبة" (1948)؛ "أي غد؟ دراسات لبعض بواعث نهضتنا المرجوّة" (1957)؛ "هذا العصر المتفجر: نظرات في واقعنا وواقع الإنسانية" (1963)؛ "في معركة الحضارة: دراسة في ماهية الحضارة وأحوالها وفي الواقع الحضاري" (1964)؛ "أعظم من منتصرين" (1966)؛ "نحن والتاريخ: مطالب وتساؤلات في صناعة التاريخ وصنع التاريخ" (1959)؛ "معنى النكبة مجدداً" (1967)؛ "نحن والمستقبل" (1977)؛ "مطالب المستقبل العربي" (1983) و "ما العمل؟ حديث إلى الأجيال العربية الطالعة" (1998).

وقد جمع مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت أعمال قسطنطين زريق الفكرية العامة، وأصدرها سنة 1994 في أربعة مجلدات.

 

المصادر:

الحساني، أحمد. "المؤرخ السوري قسطنطين زريق معماري الفكر القومي العربي في القرن العشرين"، "الجزيرة نت"، 28 حزيران/يونيو 2021.

https://www.aljazeera.net/culture/2021/6/28/المؤرخ-السوري-قسطنطين-زريق-معماري

سويد، محمود. "العروبة وفلسطين: حوار شامل مع قسطنطين زريق". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.

الشريف، ماهر. "النكبة ومعناها في مرآة العقل النقدي". "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 74-75، (ربيع-صيف 2008).

صايغ، أنيس (محرر). "قسطنطين زريق 65 عاماً من العطاء". بيروت: مكتبة بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، 1996.

العظمة، عزيز. "قسطنطين زريق عربي للقرن العشرين". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003.

علي، محمود محمد. "قسطنطين زريق رائد الفكر القومي العربي وعملاق المؤرخين العرب". "صحيفة المثقف"، 13 أيار/مايو 2022.

https://www.almothaqaf.com/memoir02/962920-قسطنطين-زريق-رائد-الفكر-القومي-العربي-وعملاق-المؤرخين-العرب

عماد، عبد الغني. "قسطنطين زريق الداعية والمفكر القومي العربي". بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012.

"قسطنطين زريق". "مركز الشرق للدراسات الحضارية والاستراتيجية"، 22 حزيران/ يونيو 2002.

https://www.asharqalarabi.org.uk/center/rijal-zraiq.htm

متاريك، أحمد. "جماعة الكتاب الأحمر.. قادت العرب عشر سنوات ولا يعرف قصتها أحد"، "رصيف 22"، 21 كانون الثاني/يناير 2022.

https://raseef22.net/article/1085741-جماعة-الكتاب-الأحمر-قادت-العرب-عشر-سنوات-ولا-يعرف-قصتها-أحد

نشابة، هشام (محرر). "دراسات فلسطينية: مجموعة أبحاث وضعت تكريماً للدكتور قسطنطين زريق". بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1988.

نشابة، هشام (محرر). "ذكريات.. سيرة لم تكتمل، قسطنطين زريق". بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2017.

Archives and Special Collections Department, American University of Beirut. “Constantine Zurayk Collection, 1909-2016.”

https://www.aub.edu.lb/Libraries/asc/Collections/Documents/FindingAids/C...

Zurayk, Constantin. “Un Arabe dans le siècle: Fragments d’une autobiographie.” Revue d’études palestiniennes, no. 63 (printemps 1997) : 108-118.