اضطلعت كندا بدور محوري في التطورات التي أدت إلى قيام دولة إسرائيل والنكبة الفلسطينية التي ترتَّبت على ذلك سنتي 1947 و1948، وظلت منذ ذلك الحين داعماً ثابتاً لإسرائيل، وكان ذلك على حساب الشعب الفلسطيني في أكثر الأحيان.
تقسيم فلسطين والعصر الذهبي للسياسة الخارجية الكندية
كانت كندا مستعمرة بريطانية، وظلت
بعد الحرب العالمية الثانية
، بدأت كندا ترسّخ مكانتها كدولة مستقلة وذات سيادة، وتقدّم نفسها كوسيط فاعل في الشؤون الدولية. وبالنيابة عن حكومة
تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة التقسيم في القرار رقم 181 الصادر في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947. وحين إعلان قادة الحركة الصهيونية قيام إسرائيل في 15 أيار 1948، كانت الميليشيات الصهيونية قد سيطرت على 77% من أرض فلسطين الانتدابية ، وارتكبت عمليات تطهير عرقي طالت نحو 90% من سكانها الفلسطينيين. وكانت كندا من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل سنة 1948، وأقامت معها علاقات دبلوماسية رسمية في 11 أيار 1949. وحمل بيرسون الذي صار لاحقاً رئيساً للوزراء بين سنوات 1963 و1968، لقب "بلفور الكندي" لدوره في تأسيس إسرائيل.
كما ساهمت كندا في تأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى
(الأونروا) سنة 1949، وكانت من أبرز مانحيها خلال العقدين الأولين، حتى أن أول مدير للوكالة بين سنتي 1950 و1951 كان اللواء الكندي السابق
موقف كندا من أزمة السويس والحظر النفطي
في خريف سنة 1956 اضطلعت كندا بدور بارز في احتواء
شغل ليستر بيرسون منصب وزير الخارجية الكندي (1948 - 1957) خلال أزمة السويس، وحصل سنة 1957 على جائزة نوبل للسلام لدوره في تأسيس قوة الطوارئ ونزع فتيل الأزمة. وقد عزز ذلك صورة كندا كوسيط دولي يعمل مع مختلف الأطراف وساهم في نشوء ما سُمّي "العصر الذهبي" لسياستها الخارجية في خمسينيات القرن العشرين وستينياته.
ومع ذلك، ظلت السياسة الكندية تجاه الشرق الأوسط محكومة بتحالفاتها السياسية وارتباطها الوثيق بإسرائيل. وبعد ست سنوات فقط من قرار منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط
فرض حظر شامل على تصديره إلى الدول الغربية الداعمة لإسرائيل خلال حرب عام 1973
، وصل
سياسة كندا تجاه منظمة التحرير الفلسطينية وإزاء اتفاقيات أوسلو و"الحرب على الإرهاب"
لم يمكث جو كلارك في منصب رئيس الحكومة سوى أقل من عام، وسقطت حكومته في 3 آذار 1980. لكن، قبل ذلك كان قد كلّف في 5 تموز/ يوليو 1979 زعيم المحافظين التقدميين السابق
ظلت وزارة الخارجية الكندية تتعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية
في معظم الأحيان على أنها "منظمة إرهابية" حتى سنة 1980، عندما بدأت بفتح قنوات حوار معها حول القضايا السياسية والأمنية. بيد أن كندا بقيت تتردد في الاضطلاع بدور سياسي قيادي في جهود السلام بين إسرائيل والفلسطينيين خلال الثمانينيات، وخصوصاً في عهد رئيس الحكومة المحافظ التقدمي
وقد مهدت هذه التحولات الطريق أمام كندا للقيام بدور سياسي بارز في عملية السلام في الشرق الأوسط خلال التسعينيات
. .فبصفتها رئيسة
ومع أن السياسة الخارجية الكندية تجاه الشرق الأوسط بقيت محكومة بتحالفاتها السياسية، ولا سيما مع الولايات المتحدة، وظلت تميل إلى الانحياز إلى المواقف الإسرائيلية، فإنها أبدت في التسعينيات انفتاحاً نسبياً على المطالب الفلسطينية. فقد دعمت حكومة كريتيان ما وصفته بمبادرات سلام "عادلة"، وأبدت استعداداً لقبول الحكم الذاتي الفلسطيني وإمكان قيام دولة فلسطينية، وإن بقي ذلك مشروطاً بموافقة إسرائيل. كما انضمت كندا إلى معظم دول العالم في التصويت لمصلحة القرارات الأممية السنوية التي تؤيد الحقوق الفلسطينية، أو امتنعت عن التصويت عليها. وخلال زيارة إلى إسرائيل وفلسطين سنة 2000، اقترح رئيس حكومتها كريتيان أن يعلن الفلسطينيون انفصالهم من جانب واحد عن إسرائيل.
تبدلت سياسات كندا تجاه الشرق الأوسط عموماً، وإزاء إسرائيل وفلسطين خصوصاً، بفعل سلسلة من الأحداث، منها اندلاع الانتفاضة الثانية
سنة 2000، و"
واتخذ كل من مارتن وهاربر مواقف علنية مؤيدة لإسرائيل، وبدأت كندا تتحول من اعتماد سياسة تقوم على قدر من الاعتدال في عملية السلام إلى تبني مواقف منحازة تماماً لإسرائيل. وانعكس ذلك في نمط تصويتها داخل الأمم المتحدة، إذ انضمت بالتدريج، وخصوصاً اعتباراً من سنة 2011، إلى مجموعة صغيرة من الدول التي تصوّت بانتظام ضد القرارات الداعمة للحقوق الفلسطينية. واتسمت حكومة هاربر باتباع خط متشدد واضح في دعم إسرائيل، مبدية تعاطفها معها سياسياً وثقافياً باعتبارها تشكل قاعدة أمامية للحضارة الغربية وتشارك كندا مشاغلها الأمنية. كما شنّت حكومته حملة صارمة ضد أي تعبير عن تأييد الحقوق الفلسطينية، فسحبت التمويل من عدة برامج وسرّحت موظفين وتدخلت في الأبحاث الأكاديمية، مثل مؤتمر جامعة يورك سنة 2009 حول نماذج الدولة في إسرائيل/فلسطين، بل وأغلقت منظمات كندية بأكملها مثل "
وفي سنة 2014، عدّلت حكومة هاربر اتفاقية التجارة الحرة بين كندا وإسرائيل لسنة 1997 ، ثم وقّعت سنة 2015 إعلاناً مشتركاً للتضامن والصداقة مع إسرائيل. وفي الوقت نفسه، حافظت على تحالفاتها السياسية وعلى خطاب رسمي يؤكد دعم عملية السلام وحل الدولتين. وأعادت كندا هيكلة المساعدات الخارجية لتصير من أكبر المانحين للفلسطينيين، مع اتباع إستراتيجية ممنهجة لوقف التمويل عن هيئات اعتُبرت "منحازة" للفلسطينيين مثل الأونروا، وتوجيه المساعدات نحو تعزيز السلطة الفلسطينية و"إصلاحها" بما يخدم الحاجات الأمنية لسلطات الاحتلال الإسرائيلي.
عصر جاستن ترودو والإبادة في غزة
أمضى ستيفن هاربر معظم سنوات حكمه في تطهير مؤسسات الدولة الكندية ليس فقط من الأصوات المؤيدة للفلسطينيين، بل أيضاً من الإرث الأممي الليبرالي الذي هيمن على السياسة الخارجية الكندية بعد الحرب العالمية الثانية. وصبَّ تركيزه على الحفاظ على التحالفات "التقليدية" مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والبلاط الملكي، وعلى تعزيز التقارب مع إسرائيل. لكن حكومته هُزمت في انتخابات سنة 2015 أمام الحزب الليبرالي بقيادة
حظي ترودو بدعم واسع من الجاليات العربية والإسلامية التي صارت تمثل دوائر انتخابية رئيسية في المدن الكبرى، بعد عقود من التحولات الديموغرافية التي رسّختها سياسة التعددية الثقافية منذ سبعينيات القرن العشرين في عهد
اكتفت حكومة ترودو بتصريحات خطابية رمزية تحاكي ماضي كندا الأممي الليبرالي، لكنها واصلت في سياساتها الفعلية نهج هاربر تجاه فلسطين. وأعادت الحكومة تمويل الأونروا في ميزانية 2016 - 2017 بعد أن قطعه هاربر في 2011 - 2012، تعبيراً عن تضامنه مع إسرائيل بعد حربها على غزة في 2008 – 2009. في الوقت نفسه، وسّعت حكومة ترودو اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل سنة 2019 لتشمل المستوطنات غير القانونية في الأراضي المحتلة، واستمرت في التصويت ضد معظم القرارات الأممية الداعمة للحقوق الفلسطينية، كما دعمت محاولات الولايات المتحدة تجاوز حق تقرير المصير الفلسطيني من خلال تأييدها "اتفاقات أبراهام ".
خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والإبادة الجماعية التي بدأت في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، واصلت حكومة ترودو دعمها لإسرائيل حتى أن كندا ساهمت في تبرير الهجمات الإسرائيلية على مستشفيات غزة في بداية الحرب، وكانت أول دولة تنسّق مع الولايات المتحدة سنة 2024 لوقف تمويل الأونروا في لحظة إنسانية حرجة في ظل الإبادة الجماعية. جاء هذا الموقف على الرغم من الضغوط الشعبية الهائلة، بما فيها احتجاجات واسعة النطاق نُظمت في مختلف أنحاء البلاد واستمرت أسبوعياً على مدى عامين، لتكون من بين أضخم التظاهرات التي شهدتها كندا في تاريخها.
ومع أن الغضب الشعبي أجبر حكومة ترودو على التراجع جزئياً عن بعض أشكال دعمها لإسرائيل، مثل التعهد بتقييد تصدير بعض الأسلحة لأسباب تتعلق بحقوق الإنسان، إلاّ إنها واصلت في الجوهر دعمها لها، وهو ما ساهم في تراجع شعبيتها واستقالة ترودو من منصبه في 6 كانون الثاني/ يناير 2025.
الاعتراف بدولة فلسطين
تمكّن الليبراليون من البقاء في السلطة بعد انتخابات ربيع سنة 2025 مع حكومة أقلية بقيادة
وفي الوقت الذي استمرت الحكومة الليبرالية في دعم إسرائيل والولايات المتحدة، اعترفت بدولة فلسطين في الأمم المتحدة في 21 أيلول/ سبتمبر 2025. لكن كارني كان قد طرح قبل يومين فقط
Ayyash, Muhannad. “The Boycott, Divestment and Sanctions Campaign: Challenging the Unintelligibility of Palestinian Decolonial Resistance in Canada.” Journal of Palestine Studies (2025): 1–19.
CJPME. UN Dashboard: How Did Canada Vote? accessed 30 March 2025, https://www.cjpme.org/un_dashboard
Eayrs, James. “Canadian Policy and Opinion during the Suez Crisis.” International Journal 12, no.2 (1957): 97–108. https://doi.org/10.1177/002070205701200204.
Engler, Yves. Canada and Israel: Building Apartheid. Fernwood, 2010.
Heinbecker, Paul, and Bessma Momani, eds. Canada and the Middle East in Theory and Practice. Wilfrid Laurier University Press, 2007.
Ismael, Tareq Y., ed. Canada and the Arab World. University of Alberta Press, 1985.
Lukacs, Martin, Dania Majid, and Jason Toney, eds. When Genocide Wasn’t News: How Canadian Media Covered up the Destruction of Gaza. Breach Books, 2025.
Wildeman, Jeremy, and Emma Swan, eds. “Special Issue: What Lies Ahead? Canada’s Engagement with the Middle East Peace Process and the Palestinians.” Canadian Foreign Policy Journal 27, no.1 (2021).
Wildeman, Jeremy, and Mark Muhannad Ayyash, eds. Canada as a Settler Colony on the Question of Palestine. University of Alberta Press, 2023.
Wildeman, Jeremy. “Undermining the Democratic Process: The Canadian Government Suppression of Palestinian Development Aid Projects.” The Canadian Journal for Middle East Studies 2, no.1 (2017): 2033.
Wills, Emily Regan, Jeremy Wildeman, Michael Bueckert, and Nadia Abu-Zahra. Advocating for Palestine in Canada: Histories, Movements, Action. Fernwood, 2022.
محتوى ذو صلة
دبلوماسي سياساتي - برامجي
اللجنة الخاصة بفلسطين (اليونسكوب) توصي بتقسيم فلسطين بأغلبية أعضائها
1947
15 حزيران 1947 - 3 أيلول 1947
دبلوماسي
قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة تنتشر في سيناء
1956 الى 1957
12 تشرين الثاني 1956 - 12 آذار 1957
إجراء عقابي اقتصادي - اجتماعي
النفط العربي سلاح في المعركة
1973
17 تشرين الأول 1973 - 21 تشرين الأول 1973